اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم يعد قطاع الدواجن في المملكة مجرد نشاط زراعي أو صناعة غذائية تقليدية. الرقم الأخير القادم من الرياض يقول الكثير: 27 اتفاقية باستثمارات تتجاوز 2.574 مليار ريال، جرى توقيعها خلال افتتاح معرض الشرق الأوسط للدواجن 2026، بحضور وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن الفضلي، وبمشاركة أكثر من 400 شركة وجهة عارضة من 45 دولة.
لكن خلف الرقم المالي، تظهر قصة أوسع تتعلق بسؤال مركزي: كيف تبني السعودية أمنها الغذائي من منتج يومي حاضر على معظم الموائد؟
لماذا الدواجن؟
أهمية الدواجن تبدأ من كونها مصدرًا رئيسيًا للبروتين، وسلعة واسعة الاستهلاك، وحاضرة في البيوت والمطاعم وسلاسل التموين. لذلك فإن أي اضطراب في إنتاجها أو أسعارها أو توفرها لا يبقى داخل نطاق الشركات والمزارع، وإنما ينتقل سريعًا إلى المستهلك.
ومن هنا، يصبح الاستثمار في هذا القطاع جزءًا من سياسة أوسع لتقليل هشاشة السوق أمام تقلبات الاستيراد، وارتفاع تكاليف الأعلاف، واضطرابات النقل العالمية، والأزمات الصحية التي قد تضرب سلاسل الغذاء.
تطوير كامل
اللافت في الاتفاقيات الجديدة أنها لا تستهدف زيادة الإنتاج فقط، بل رفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتوسيع الشراكات الاستثمارية، بما يدعم الأمن الغذائي في المملكة.
وهذا التعبير مهم، لأن الدواجن ليست مزرعة فقط. هي سلسلة مترابطة تبدأ من الأعلاف، وتمر بالتربية، والصحة الحيوانية، والأمن الحيوي، والتجهيز، والتعبئة، والتبريد، ثم النقل والتوزيع، وصولًا إلى رف المتجر أو طبق المستهلك.
ولهذا، فإن قوة القطاع تُقاس بقدرة السلسلة كاملة على العمل بكفاءة. فإذا ارتفعت تكلفة العلف، تأثر المنتج النهائي. وإذا تراجعت معايير الصحة الحيوانية، زادت المخاطر. وإذا ضعفت منظومة التبريد أو النقل، ارتفع الفاقد. وإذا لم تدخل التقنيات الحديثة، بقي الإنتاج أكثر كلفة وأقل قدرة على المنافسة.
ولذلك تبدو الاستثمارات الجديدة محاولة لبناء منظومة أكثر تماسكًا، لا مجرد ضخ مالي عابر في صناعة واعدة.
ليس بناءً من الصفر
وتأتي هذه الاستثمارات فوق قاعدة إنتاجية قائمة؛ فقد أكدت وزارة البيئة والمياه والزراعة أن إنتاج الدواجن في السعودية يتجاوز 1.5 مليون طن سنويًا، وأن نسبة الاكتفاء الذاتي تتجاوز 76%، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي واستقرار الأسواق، وفق بيان للوزارة.
وهذه الأرقام تعني أن المملكة لا تبدأ من الصفر، وإنما تتحرك من مستوى متقدم نسبيًا نحو هدف أكبر: زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتحسين القدرة على تلبية الطلب الداخلي في الظروف الطبيعية والاستثنائية.
وفي هذا السياق، يصبح شعار معرض الشرق الأوسط للدواجن «ابتكار اليوم.. إنتاج الغد» أكثر من عبارة تسويقية.
فالصناعة الحديثة تعتمد على التكنولوجيا في مراقبة المزارع، وتحسين التغذية، وتقليل الأمراض، وإدارة درجات الحرارة، ورفع كفاءة خطوط الإنتاج والتعبئة.
كما تعتمد على الأمن الحيوي، وهو عنصر حاسم في قطاع يمكن أن يتأثر سريعًا بالأوبئة أو العدوى. ولذلك فإن تكريم فئات مثل «الريادة في الأمن الحيوي لصناعة دواجن آمنة» يعكس انتقال الاهتمام من الكم وحده إلى الجودة والسلامة والاستدامة.
والمعرض ليس مجرد مساحة للعرض التجاري، بل منصة لنقل المعرفة والتقنيات وربط السوق السعودية بموردي الحلول والخبرات العالمية.
وهذا الربط قد يكون مهمًا في قطاعات مثل الأعلاف والصحة الحيوانية والمعدات والتجهيز، لأن توطين جزء أكبر من المعرفة والخدمات يخفف الاعتماد على الخارج، أو على الأقل يجعل السوق المحلي أكثر قدرة على التفاوض والاختيار والتوسع.
والأمن الغذائي هنا لا يعني الاكتفاء الكامل من كل شيء، فهذا هدف صعب حتى على أكبر الاقتصادات. لكنه يعني بناء قدرة وطنية أعلى على توفير الغذاء الأساسي بكفاءة واستقرار.
ويعني كذلك أن يكون لدى الدولة والقطاع الخاص مساحة أكبر للتحكم في عناصر الإنتاج، بدل أن تكون السوق رهينة كاملة للأسعار العالمية والشحن والاضطرابات الخارجية. كلما زادت قوة الإنتاج المحلي، وكلما أصبحت سلاسل الإمداد أكثر مرونة، تراجعت احتمالات الصدمات الحادة على المستهلك.
ماذا يعني هذا للمستهلك العادي؟
بالنسبة للمستهلك العادي، قد لا يظهر أثر اتفاقيات بمليارات الريالات فورًا في اليوم التالي. لكنه يظهر تدريجيًا في وفرة المنتج، واستقرار الإمداد، وتحسن الجودة، وتنوع الخيارات، وربما في قدرة السوق على امتصاص الأزمات من دون قفزات حادة في الأسعار؛ فالمائدة المستقرة تبدأ من قرارات استثمارية لا يراها المستهلك غالبًا، لكنها تحدد ما يصل إليه في النهاية.
ولذلك، فإن 2.574 مليار ريال في قطاع الدواجن ليست مجرد خبر اقتصادي من معرض متخصص. إنها إشارة إلى أن السعودية تنظر إلى الغذاء باعتباره ملفًا استراتيجيًا يتداخل فيه الاستثمار، والتقنية، والزراعة، والصحة، والتجارة، واللوجستيات.
ومن المزرعة إلى المائدة، تبدو صناعة الدواجن نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل منتج يومي بسيط في نظر المستهلك إلى ركيزة من ركائز الأمن الغذائي الوطني










































