اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أب ٢٠٢٦
رؤى مصطفى
تكشف الوجهات العائلية عن مقدار وعي المدن بتفاصيل الحياة اليومية؛ فالمكان الذي يراعي احتياجات الطفل لا يمنحه لحظات من المتعة فحسب، بل يصنع له تجربة خاصة، ويمنح الأسرة مساحة أكبر من الراحة والانسجام. وهذا ما لفتني بوضوح في المنطقة الشرقية، حيث باتت كثير من المقاهي والمطاعم تنظر إلى الطفل بوصفه ضيفًا أساسيًا، لا مجرد مرافق لوالديه.
في الخبر والدمام والظهران، تحولت بعض الوجهات إلى مساحات عائلية متكاملة تمنح الأطفال نصيبهم من المرح والتجربة والتعلّم، فيما يجد الوالدان فرصة للاستمتاع بوقتهما في أجواء أكثر راحة.
ولا يقتصر الاهتمام على تخصيص ركن للألعاب، بل يمتد إلى أنشطة تفاعلية متنوعة، مثل إعداد البان كيك، وصناعة البيتزا، وتزيين الحلويات، والرسم والتلوين، وصناعة المجسمات والأعمال اليدوية باستخدام خامات مختلفة.
وتمنح هذه الأنشطة الطفل فرصة للتجربة والابتكار بعيدًا عن الاكتفاء بالمشاهدة أو الانشغال بالأجهزة الإلكترونية، كما تسهم في تنمية الخيال والتركيز والصبر، وتطوير قدرته على العمل بيديه والتعبير عن أفكاره.
حتى التفاصيل الصغيرة حظيت بالعناية؛ إذ تخصص بعض الوجهات للأطفال صحونًا وأكوابًا وأدوات مائدة بألوان وتصاميم محببة إليهم، فيما تُقدم بعض الوجبات بطريقة تحاكي عالمهم وتثير فضولهم، فيتحول تناول الطعام ذاته إلى جزء من التجربة.
ويزداد تفاعل الطفل مع المكان عندما يشارك بنفسه في إعداد طبق، أو تزيين قطعة حلوى، أو تشكيل مجسم بسيط؛ فهذه المشاركة تمنحه شعورًا بالإنجاز، وتعزز ثقته بنفسه واستقلاليته وقدرته على التواصل.
ومن اللافت كذلك أن أسعار كثير من هذه الأنشطة تبدو مناسبة لشريحة واسعة من الأسر، ما يجعل التجربة أكثر قابلية للتكرار، ويمنح الأطفال فرصة للاستمتاع بأنشطة تجمع بين الترفيه وتنمية المهارات.
ومع اتساع هذا النوع من الوجهات، تظل السلامة والنظافة من أهم عناصر نجاح التجربة، إلى جانب توفير أدوات تناسب الفئات العمرية المختلفة، والإشراف الملائم على الأنشطة ومساحات اللعب. كما أن تهيئة المرافق للأطفال ذوي الإعاقة تعزز مفهوم الشمول، وتمنح الجميع فرصة متكافئة للمشاركة والاستمتاع.
ويمكن لهذه التجارب أن تكتسب بعدًا أكثر خصوصية إذا استلهمت هوية المنطقة الشرقية وبيئتها البحرية، من خلال أنشطة وورش تُعرّف الطفل بالبحر والمراكب والمهن القديمة والحرف المحلية، ليجتمع الترفيه بالمعرفة، وترتبط ذاكرة الطفل بالمكان وثقافته.
لقد نجحت هذه الوجهات في التقاط احتياجات الأسرة الحديثة؛ فالوالدان يبحثان عن الراحة، بينما يريد الطفل مساحة تشبه عالمه وتمنحه فرصة للحركة والاكتشاف. وعندما تجتمع القهوة والطعام واللعب والتجربة في مكان واحد، تتحول الزيارة من خروج عائلي اعتيادي إلى تجربة تحمل تفاصيلها وذكرياتها الخاصة.
ولعل هذا الاهتمام بالطفل من أكثر ما أعجبني في المنطقة الشرقية؛ لأنه يعكس وعيًا بجودة الحياة الأسرية، ويؤكد أن إسعاد الطفل لا يحتاج دائمًا إلى فعاليات ضغمة أو مكلفة، فقد يبدأ من طبق يصنعه بيديه، أو نشاط بسيط يشارك فيه، أو مساحة تمنحه الفرح وتشعره بأن المكان صُمم له أيضًا.










































