اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ أذار ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
إلى أي حدٍ يمكن للحروب والصراعات المتراكمة أن تعيد تشكيل البنية الداخلية للإنسان العربي؟ هذا السؤال الوجودي يفرض نفسه بإلحاح ونحن نتأمل المشهد الجيوسياسي الراهن في الشرق الأوسط، متجاوزين القراءات السطحية التي تحصر المواجهات في حسابات الربح والخسارة العسكرية أو التوسع الجغرافي. فالمنطقة لم تعد مجرد ساحة لصراع النفوذ بين القوى العظمى، بل تحولت إلى مختبر مفتوح ومؤلم لفحص قدرة الإنسان العربي على البقاء النفسي والوجودي وسط تداخل الأزمات. وفي ظل المواجهات الأخيرة التي تفرضها المعادلة الثلاثية الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية، تتكشّف تحولات جذرية في وعي إنسان هذه المنطقة، حيث لا يستهدف التهديد الأرض فحسب، بل يمتد لاغتيال التاريخ والمستقبل معًا، راسمًا لوحة سوداء لآخر الزمان وفق كل معتقد حتى قبل أن يُولد.
وتحت وطأة صورة هذا الخراب الموعود، ترزح العقول الجمعية تحت ما يمكن تسميته بـ'الإرهاق الاستباقي' (Anticipatory Exhaustion). فالإنسان هنا لم يعد ينتظر الأمان، بل يستهلك طاقته الروحية والذهنية في التخطيط لكيفية استيعاب الكارثة القادمة. والخشية هنا، أن تُفرز هذه الحالة جيلًا لا يجرؤ حتى على الحلم، بل يكرس جهده لتحصين نفسه ضد أحلامه ذاتها، لأن حتى خيبة الأمل باتت ترفًا سيكولوجيًا لا يمكن تحمّله، ومع تهاوي منظومة الأمن الإقليمي وغياب اليقين، قد يُفسر البعض شيوع اللامبالاة السياسية والانسحاب من الفضاء العام على أنه استسلام محض، لكنه في جوهره ليس كذلك. ففي غياب مفهوم الدول الحامية والمؤسسات الدولية الضامنة، تعيد القبيلة والطائفة والعرق إنتاج مفهوم 'الحاضن البديل' والدرع الواقي، في ممارسات تمثل شكلًا صامتًا وعميقًا من أشكال المقاومة التي لا ترصدها رادارات السياسة التقليدية.
غير أن البعد الأخطر في هذا التجريف الاستراتيجي الذي يمزج الدم بالعقائد يكمن في 'تطبيع الموت الجماعي'، فما نشهده اليوم يتطابق بدقة مع ما أسماه الطبيب النفسي روبرت جاي ليفتون بـ'التخدير النفسي' (Psychic Numbing)؛ حيث يُغلق الوعي الجمعي أبواب التعاطف طوعًا، لأن استيعاب هذا الكم الهائل من الألم الإنساني والمآسي اليومية سيؤدي حتمًا إلى تدمير التوازن الداخلي للفرد. ومكمن الخطورة هنا، أن هذا الألم لا يُلغى بمجرد تجاهله، بل يُخزَّن في أقبية اللاشعور. وحين تتهيأ الظروف، يتفجر هذا المكبوت في صور غير متوقعة ومحفوفة بالمخاطر، كالانجذاب الأعمى نحو تقديس شعبوي منقذ، أو الارتماء في أحضان حركات خلاص متطرفة تمنح معنىً زائفًا يعوض الشعور بالعجز.
وثمة جرح آخر ينزّ في صمت داخل هذا المشهد، حين تجد الإنسان العربي المحروم يرى مصائب أخيه الأكثر حظًا نوعًا من تحقيق 'العدالة المقلوبة'، وهذه قد لا تكون شماتةً بالمعنى الرخيص، لكن هذا أقسى ما تفعله الحروب والصراعات بالقيم الجماعية للمحرومين حيث تستبدل القيمة التي ينبغي أن يتألم فيها الإنسان لألم أخيه بقيم شوهاء بحيث يجد في مأساة أخيه سلواه.
والمأساة أن تداعيات هذه النكسات لا تتوقف عند حدود الجيل الحالي، بل قد تمتد لتشكل 'صدمة عابرة للأجيال'، فالصدمة لا تنتهي بوقف إطلاق نار الحروب، بل تُورَث عبر ما تحمله الجماعة من روايات ضمنية ومخاوف غير معلنة عن قسوة العالم. وهكذا، قد تجد أجيال ما بعد الحروب في المحيط العربي نفسها تحمل إرثًا ثقيلًا من القلق والترقب، مما قد يفرز حالة من الاغتراب المزدوج؛ اغتراب عن عالم تحولوا فيه إلى مجرد أرقام هامشية في تقارير الأخبار، واغتراب عن ذات تآكلت قدرتها على المبادرة.
ورغم قتامة هذا المشهد، فإن الذات العربية ليست ضحية مطلقة محكوم عليها بالانسحاب الأبدي، فالتاريخ الإنساني يعلمنا أن الشعوب التي قاست حروبًا مدمرة ومجازر مروعة -في ألمانيا واليابان ورواندا وإيرلندا- قد اختبرت ما يُعرف بـ'نمو ما بعد الصدمة' (Post-Traumatic Growth)، حيث دفعتها تلك المآسي إلى مراجعة قيمها، وتعميق وعيها، واستخراج طاقات بناء أشد صلابة من رحم الشقاء. لذا، فإن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل ستسقط الذات العربية تحت وطأة هذه الصراعات؟ بل: هل ستتمكن (أو تُمكّن) من إيجاد المحفزات التاريخية والثقافية الإيجابية التي تجعل من وجعها الغائر مصدرًا للنهوض، لا قطارًا مجنونًا يسير نحو المجهول؟
ما تُدمِّرُه الحروبُ من حجارةِ يُعيدُها البناءُ، وما تحطمه في الأرواحِ يُعيدُ بناءَ الحروب.










































