اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
الإصرار المجتمعي على تخصصات الوجاهة، يؤدي إلى ثلاث مشاكل رئيسية: الاغتراب المهني، بفعل التحاق الأشخاص بتخصصات لا تناسب مهاراتهم.. ومقاومة الإصلاح الأكاديمي.. والتعثر الأكاديمي والألم النفسي، كمحصلة لإجبار الطلاب على مسارات تفوق قدراتهم الذهنية، أو تتعارض مع رغباتهم، وهذا يؤدي لحرمان القطاعات التقنية من الكفاءات، ويحشر الخريج في تخصص لا يوصله إلى وظيفة..
انتهت في بداية أغسطس من العام الجاري مرحلة القبول في الجامعات السعودية، إلا ان الجدل المجتمعي حول التخصصات الجامعية لايتوقف، وبالأخص في شهر سبتمبر الحالي، فالمجتمع السعودي يتعامل مع التخصص الأكاديمي، ليس كمسار للتأهيل المهني، وإنما باعتباره مؤشرا على المكانة الاجتماعية، والمسؤولية يتحملها المجتمع، وبدرجة أكبر من الجامعات، التي استقبلت اكثر من 350 ألف متقدم، لأنه يختصر قيمة الطالب في تخصصه، والدليل تجاوز القبول في مسارات الوجاهة التقليدية، كالطب والهندسة، لحاجز الـ95%، وبفوارق بين المقبولين والمرفوضين، لاتزيد على 0,04%، والسابق يظهر تشوها واضحا في مفهوم التعليم، ويفضح انحيازه الى الشكليات الاجتماعية، على حساب الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
مؤسسة بيرسون البريطانية العالمية، أصدرت تقريرا في 2025، عن واقع البيئة التعليمية والمهنية في المملكة، ولاحظت ان خريجي الثانويات والجامعات السعودية يأخذون في المتوسط قرابة 40 أسبوعاً في البحث عن عمل، وسجلت عدم وجود مواءمة بين المهارات الأكاديمية لهم، وبين ما يحتاجه سوق العمل المحلي، وما سبق طبقاً لأرقامها، يكلف الاقتصاد السعودي فاقدا سنويا قدره 62 مليار ريال، أو حوالي 16 مليارا و500 مليون دولار، وإصرار الأسر على دخول أبنائها لتخصصات دون غيرها يعرف في علم الاجتماع باسم: الامتثال الاجتماعي القهري، وفيه يتم التنازل عن كفاءة الأبناء في مجال معين لصالح الوجاهة، ولتعزيز مكانة الأسرة في الأوساط الاجتماعية المحيطة بها، أو كما ورد في دراسة لأكاديمية مسك عام 2020، ويشير المسح الوطني للصحة النفسية، الذي أُجري في الفترة من 2011 الى 2016، ان من تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 عاماً، هم الأكثر عرضة للاضطرابات النفسية المرتبطة بمواسم القبول الجامعي، وبنسبة 34%، ويعود ذلك الى فوبيا الاختبارات المعيارية وضغط المجتمع، والمقارنات المستمرة على السوشال ميديا، ما يفسر التوجه لتخصصات الوجاهة الكلاسيكية كالطب والهندسة، في مقابل عدم الاهتمام الجماعي بمسارات التقنية الحيوية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي التطبيقي، رغم ان واقع التوظيف المعاصر يطلبها، بحسب التقرير العالمي لرصد التعليم في 2023.
ربط قيمة الإنسان بوجاهة تخصصه الجامعي لاتنحصر في المجتمع السعودي وحده، فالإشكالية عالمية، وتصل الى أعلى درجاتها في كوريا الجنوبية، من خلال ما يسمونه بالمقصلة الأكاديمية، والتي تحدث في نوفمبر من كل عام، عندما يدخل مئات الآلاف من الطلاب لاختبار القبول الجامعي الموحد، المعروف بالسينونغ، وهو حدث قومي في كوريا، تغلق فيه الدولة مجالها الجوي، وتؤخر مواعيد الدوام الحكومي، لضمان الهدوء التام في الشوارع، ولحسم مسألة توزيع من يتم اختبارهم على ثلاث جامعات نخبوية، يطلقون عليها تسمية: ثالوث سكاي، وتشمل جامعات سيئول وكوريا ويونسي، والسباق لا يدار لطلب العلم، وإنما لانتزاع صك وجاهة طبقي، يحدد السمعة الاجتماعية للعائلة بأكملها، واستنادا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2023، تسجل كوريا أعلى معدل انتحار في العالم، بنحو 24,8 حالة لكل 100 ألف نسمة، ويصنف الضغط الأكاديمي والمقارنات الاجتماعية، بوصفهما المؤثر الأول في انتحار الشباب، وفي مسح لمنظمة اليونسيف ما بين عامي 2018 و2022، شغل الكوريون الجنوبيون المرتبة الأولى عالميا في المهارات الأكاديمية، ولكنهم جاؤوا في المرتبة 34 من أصل 36 دولة، في مؤشر الرفاه النفسي والسعادة، كنتيجة لتحويل التعليم الى أداة تضغط بها الأسر على أبنائها وتستخدمهم كوسيلة لانتزاع الوجاهة الاجتماعية.
البيانات الرسمية لوزارة المالية السعودية، المنشورة في ديسمبر 2025، كشفت عن تخصيص ميزانية صخمة للتعليم في هذا العام، وقدرها 202 مليار ريال، أو ما يعادل 53 مليارا و800 مليون دولار، وبما نسبته 15,38%، من إجمالي نفقات الدولة المقدرة بترليون و313 مليار ريال، أو أكثر من 350 مليار دولار، والمفارفة أن الإنفاق رغم ضخامته يتحول في جزء منه الى فاقد تنموي، فقد أشار خبير التعليم العالي الدكتور السعودي محمد الخازم، ان الخسارة الاقتصادية المترتبة على سوء اختيار التخصص، وضغط الأسر لمطاردة الوجاهة، تصل الى 25% من ميزانية التعليم، بسبب تعثر او انسحاب الطلاب في الأعوام الأولى.
الإصرار المجتمعي على تخصصات الوجاهة، يؤدي الى ثلاث مشاكل رئيسية، وكلها تؤثر في كفاءة رأس المال البشري، أولها: الاغتراب المهني، بفعل التحاق الأشخاص بتخصصات لاتناسب مهاراتهم، والثانية: مقاومة الإصلاح الأكاديمي، وهو ما حدث في أبريل 2026، حين واجه مشروع جامعة الملك سعود، لإعادة هيكلة أقسام التاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعية واللغة العربية، ضغطاً مجتمعيا حاداً، لأنها تشكل ملاذا أخيرا لإنقاذ المظهر الاجتماعي، واستيعاب الطلاب الذين لم تساعدهم درجاتهم في الوصول لمقاعد في تخصصات النخبة، والثالثة: التعثر الأكاديمي والألم النفسي، كمحصلة لإجبار الطلاب على مسارات تفوق قدراتهم الذهنية، أو تتعارض مع رغباتهم، وهذا يؤدي الى حرمان القطاعات التقنية من الكفاءات، ويحشر الخريج في تخصص لا يوصله الى وظيفة.
في رأيي؛ الأنسب هو إلزام الطلاب بمقياس الميول المهنية، وتحديداً في المرحلة الثانوية، لربط اختياراتهم اللاحقة بقدراتهم الذهنية والمهارية، وبما ينسجم والاحتياجات التنموية، ويبتعد عن القرارات القائمة على ضغط الرغبات الأسرية، وإعادة صياغة خطاب إعلامي وترويجي للمسارات التقنية والتطبيقية، لرفع قيمتها الاجتماعية، وإبراز معدلات توظيفها العالية، وبما يحولها الى خيار أول يتساوى في المكانة والتقدير مع التخصصات التقليدية، ولابد من تقنين المقاعد المتاحة في العلوم الإنسانية والنظرية المصابة بالتخمة، وتوجيه ميزانياتها لتمويل برامج التأهيل المشتركة والدبلومات، والوقوف ضد محاولات استخدامها كملاذات بديلة، دون التفكير في مستقبل خريجيها.










































