اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
د.سعود المريشد
تعد أزمة تأخر الشركات المساهمة المدرجة في نشر قوائمها المالية مشكلة تتجاوز مجرد التأخير الإجرائي، إلى كونها خلل يقوض ثقة المستثمرين؛ وبينما تتعالى بعض المطالبات بمعاقبة الإدارة التنفيذية وحجز رواتبهم ومكافآتهم، نجد أن هذا الطرح يبتعد عن الواقع عملياً وقانونياً؛ فهو يخلط بين من ينفذ العمل ومن يتحمل مسؤوليته أمام النظام، فتحميل الإدارة التنفيذية المسؤولية دون وجود تفويض صريح لها بذلك، يعني منح الممثل النظامي للشركة مخرجاً سهلاً للإفلات من المساءلة، ويشتت جهود الهيئات الرقابية نحو أطراف لا تملك سلطة الإفصاح أو حق التوقيع نظاماً.
إن التكييف القانوني الصحيح في هذا الشأن وفق ما يستخلص من نظام الشركات والممارسات التنظيمية، يستلزم وضع المسؤولية كاملة على عاتق رئيس مجلس الإدارة، فهو الممثل القانوني للشركة، وهو الذي يملك بموجب منصبه أو تفويض المجلس صلاحية اعتماد القوائم المالية والتوقيع عليها؛ وعلى هذا الأساس، لا يمكن قبول تبريرات التأخير المنسوبة مثلاً للمراجع الخارجي أو اللجان المالية، أو المطالبة بمحاسبة الإدارة التنفيذية، فالمسؤولية النظامية عن الإفصاح تظل ملتصقة بصاحب الصفة القانونية الذي ائتمنه المساهمون على مصالحهم؛ إن تجاهل محاسبة رئيس المجلس والاكتفاء بمعاقبة الشركة والتي هي في نهاية المطاف ملك للمساهمين، يعد نهجاً يغطي على الخطأ بدلاً من معالجته، ويمنح المسؤول الأول فرصة التهرب من تبعات تقصيره.
إن الإصلاح العملي يتطلب إجراءات حازمة توازي حجم التقصير، وتتجاوز الغرامات التي تدفعها خزينة الشركة من جيوب المساهمين؛ فبدلاً من تعليق تداول السهم، وهو إجراء يضر بالمساهم البريء أكثر من المسؤول، يجب فرض قيود مالية وشخصية مباشرة على الممثل النظامي؛ كحجز كافة مستحقاته السنوية من مكافآت وبدلات، بل وتوسيع نطاق العقوبة لتشمل ربما حرمان المسؤول من الترشح أو التجديد لعضوية أي مجلس إدارة في الشركات المساهمة لفترة زمنية محددة؛ ولهذا نقول يجب أن تتبع المسؤولية القانونية صلاحية القرار، فمن يملك سلطة التوقيع هو من يفترض أن يدفع ثمن التقصير؛ إن بقاء الوضع الحالي يعني مكافئة المتقاعس بإبعاده عن دائرة المساءلة، وعقاب المستثمر بتجميد استثماراته نتيجة تعليق تداول أسهم الشركة؛ فالحوكمة الحقيقية ليست مجرد نصوص جامدة في مستندات، بل هي معايير تحاسب من اتخذ القرار، وليس من دفع ثمن السهم؛ وهذا هو الطريق الوحيد لضمان سوق مالية تحترم الشفافية وتلتزم بمواعيدها، وتجعل من المسؤولية الشخصية قيداً لا يمكن التملص منه.










































