اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. علي بن حمد الخشيبان
الواقع الإقليمي لم يعد كما كان؛ والقوى الدولية التي ارتبطت مصالحها بالشرق الأوسط منذ العام 1916م وحتى اليوم عليها أن تعيد التفكير في تعريفها لاستقرار المنطقة من خلال الاستماع إلى القوى الإقليمية وإلى التحالفات الناشئة التي يمكنها إعادة تشكيل المنطقة وفرض تفاهم مختلف يوفر مسارًا للتعامل مع المنطقة بعدل استراتيجي..
خلال صيف العام 1916م كان السير مارك سايكس أحد مهندسي اتفاقية (سايكس بيكو) يستخدم في خطبه مصطلح الشرق الأوسط بدلا من الشرق الأدنى، وكثيرون ينسبون هذا المصطلح الى السير مارك سايكس، ولكن الحقيقة ان مصطلح الشرق الأوسط هو من ابتكار الضابط البحري والمؤرخ الأميركي الفريد تاير ماهان وذلك في عام 1902م، اليوم وبعد أكثر من قرن من الزمان على اعتماد هذا المصطلح شهد الشرق الأوسط العديد من الانفجارات ومسارات العنف والحروب التي تتكرر دوراتها، فما فجرته الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران فتح مسارا لدورات خطيرة من التصعيد في المنطقة، وكان لابد من استثمار هذه الحرب من قبل المنطقة من أجل صياغة مشهد يقف فيه العالم ضد الحوثي، وهو ما نشهده اليوم، فلا أحد في العلن يدعم الحوثي بل جميع القوى الدولية تريد ان ترى نهاية هذه المليشيات.
الدعم الدولي والإقليمي للشرعية في اليمن هو من أجل الخلاص من مليشيات الحوثي وتحرير صنعاء الذي سوف يشكل التحرير الثاني للشرق الأوسط بعد تحرير دمشق، حيث تعمل هذه المعالجات على حصار نطاق الصراع في الشرق الأوسط وتضييق دائرته عبر معالجة دقيقة لنقاط الضعف التي تعاني منها المنطقة، فتحرير صنعاء نهاية مطلوبة وفتح لمحاصرة الاستراتيجية لبعض القوى الخارجية التي تسعى للسيطرة على نقاط الاختناق في الشرق الأوسط عبر توظيف أذرعها ومليشياتها للسيطرة على الممرات المائية التي تشكل عصب الحياة لمنطقة الشرق الأوسط بأكمله.
تحول الفهم الدولي وخاصة الأميركي حول الأزمة في اليمن مثير ويستحق التركيز، حيث أصبحت واشنطن اليوم أكثر وضوحا في دعمها لتحرير صنعاء من الحوثيين، فالموقف الأميركي الذي فضّل لسنوات طويلة الفصل بين إيران وأذرعها المنتشرة في الشرق الأوسط يتحول وبشكل كبير نحو فكرة مختلفة تقوم على ان الانتصار على إيران يبدأ من الانتصار على أذرعها في المنطقة، وبرغم أن هذا الفهم تأخر كثيرا فإن أي دعم للحوثي في هذه المرحلة او بعدها سيكون خطأ استراتيجيا سوف تدفع فيه أميركا وحليفتها في حربها ضد إيران اسرائيل ثمنا باهظا؛ لأن القوى في المنطقة سوف تلجأ الى خيارات متعددة قد تكلف المصالح الأميركية الكثير من التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
فكرة التسوية مع مليشيات الحوثيين انتهت الى الأبد؛ خاصة ان الارتباط الحوثي ببعض القوى الخارجية لا يعكس أي مؤشرات نحو قبول الحوثيين أن يكونوا جزءا من المكون السياسي اليمني الطبيعي، ولذلك لن يمارس التحالف كما تشير التطورات الى أي اتجاه خلاف البحث عن نهاية تعلن تحرير صنعاء وعودة اليمن موحداً الى حضنه في الجزير العربية، لقد انتهت شروط التسوية مع هذه المليشيات ولن تنتظر دول المنطقة الفاعلة اي شروط تعالج مخاوفهم الا من خلال دعم الشرعية ودعم مواصلتها لتحرير صنعا التي فتح المسار لتحريرها ومن ثم كتابة فصل جديد من فصول نهاية إحدى حروب الشرق الأوسط.
لقد حان الوقت لإنهاء أي إستراتيجية لا تساهم في معالجة مشاكل اليمن من جذورها، وهذا يعنى أن جميع الخيارات مفتوحة سواء من خلال التصعيد العسكري الذي يقوم به أبناء اليمن، أو الدعم الذي تحظى به الشرعية إقليميا ودوليا، لقد أعلن أبناء اليمن أن أي مسار نحو التسويات السياسية قد انتهى ولن يحدث ولن يكون البديل المتاح مهما كان جذابا لأبناء اليمن سوى تحرير صنعاء حتى ولو كان الثمن حربا متجددة وطويلة الأمد تصل في نهايتها الى تحرير صنعاء، فالحوثي تجاوز الخطوط الحمراء وأصبح فعليا غير قادر على ابتلاع لقمة اليمن كما كان متصوراً.
الخيار الوحيد هو إنهاء مليشيات الحوثي وتحرير صنعاء، لأنه كلما استمر القتال في اليمن مدة أكبر كان تأثيره على الاقتصاد العالمي أكبر، ولذلك فإن تهديد الاقتصاد العالمي خطر استراتيجي هو الأكبر بين خيارت التهديد التي فرضتها هذه الحرب، الواقع الإقليمي لم يعد كما كان؛ والقوى الدولية التي ارتبطت مصالحها بالشرق الأوسط منذ العام 1916م وحتى اليوم عليها أن تعيد التفكير في تعريفها لاستقرار المنطقة من خلال الاستماع الى القوى الإقليمية وإلى التحالفات الناشئة التي يمكنها إعادة تشكيل المنطقة وفرض تفاهم مختلف يوفر مسارا للتعامل مع المنطقة بعدل استراتيجي.










































