اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
لم يكن رفع المنتخب السعودي كأس الخليج السابعة والعشرين في جدة، مساء السادس من أكتوبر، وما صاحبه من مظاهر ابتهاج حدثًا كرويًا فقط؛ فقد أعاد إلى الذاكرة حقيقةً كثيرًا ما تغيب عن لغة السياسة، وهي أن الفرح الوطني مشروع، وأن الاعتزاز بالإنجازات لا يحتاج إلى تبرير. وقد ظهر ذلك في المدرجات، كما ظهر في شوارع المدن السعودية وفضائها العام، في مشهد لا يتجاوز حدوده الرياضية ولا يُقرأ بوصفه انتصارًا على دولة شقيقة.
والصورة التي خرجت من جدة لم تكن صورة كأس مرفوعة فحسب، بل صورة مؤسسات أدارت حدثًا بحجم إقليمي، ومدينة فتحت أبوابها وقلبها لجماهير المنطقة، ومنتخب ظهر بمهارة وانضباط وثقة. والثقة، في نهاية المطاف، تشكلت عبر الأداء الجيد في التنظيم، وتوفير الفرص، وتطوير القدرات، وتحويل الطموح إلى نتائج ملموسة. وما أظهره المنتخب من انضباط دفاعي، حين أنهى البطولة من دون أن يستقبل هدفًا، يُحسب للاعبين والجهازين الفني والإداري، ويذكّر أن الإنجاز حصيلة عمل متصل وتراكم خبرة وبُعد نظر.
أما اختيار جدة مسرحًا لهذه الدورة، فيضيف إلى الحدث بُعدًا دالًا.. فالمدينة المطلة على البحر الأحمر بدت وهي تستضيف الأشقاء، وكأنها تعيد تأكيد حقيقة مفادها أن رابطة الخليجيين بأشقائهم أوسع من الجغرافيا، وأن المدن الكبرى لا تُقاس بمبانيها وحدها، بل بما تتيحه من لقاءات وذكريات وانطباعات. فالملعب المكتظ، والتنظيم المتقن، وحسن الاستضافة، وحركة زوار جدة حول المنافسات، كلها تفاصيل تعيش أطول من نتائج المباريات.
وللبطولة تاريخ يسبق هذه الليلة بسنوات طويلة. فمنذ انطلاقتها في البحرين عام 1970، أسهمت كأس الخليج في صياغة وجدان خليجي مشترك، تتجاور فيه المنافسة مع تعميق القرابة الاجتماعية والثقافية. هنا تعارف الخليجيون أكثر عبر المباريات، وتخاصموا رياضيًا ثم تصالحوا في حدود الرياضة وشؤونها، وظلت البطولة مساحة تتسع للفرح والإثارة، من دون أن تنقطع خيوط الألفة. ولهذا لا تكمن قيمتها السياسية في قدرتها على إلغاء الخلافات، بل في أنها تترك بابًا مفتوحًا للتواصل حين تضيق أبواب أخرى.
وللمستقبل حضوره الواضح في هذه القراءة. فالمملكة تستعد لاستضافة كأس آسيا 2027 وكأس العالم 2034، بما يجعل بطولة الخليج حلقة في تمرين أطول على الإدارة والتنسيق والضيافة وإدارة الحشود. ومن هنا تتضح الدلالة الأعمق حين يوضع هذا الإنجاز في سياق التحول الجاري في القطاع الرياضي حيث تتصل الرياضة بالصحة وجودة الحياة والسياحة والاستثمار وتنمية المواهب. ونجاح هذا الانتقال لا يُقاس بعدد الكؤوس وحده، بل بعدد الموهوبين الذين يجدون ملعبًا، والمدربين الذين يكتسبون خبرة، والأندية التي تتطور إداريًا، والفرص التي تتحول إلى مسارات مهنية أمام آلاف الشباب.
أما المباراة النهائية أمام منتخب الإمارات، فلم يتعامل معها السعوديون بوصفها استعارةً سياسية، بل باعتبارها منافسةً رياضية بين شقيقين؛ فالنتيجة حُسمت في الملعب، أما العلاقة بين البلدين فأوسع من أن تختزلها تسعون دقيقة، فالمصلحة الخليجية لا تُختزل في ترتيب المنتخبات. بل إن قدرة المنافسة الرياضية على البقاء شريفة، مهما اختلفت الحسابات السياسية، مكسب في ذاته.
وفي زمن تميل فيه المنصات الرقمية إلى تحويل كل مواجهة رياضية إلى امتحان باسم الولاء الوطني، تصبح حماية الرياضة من لغة الخلافات السياسية مظهرًا من مظاهر النضج، لا تنازلًا عن الاعتزاز بالانتصار. وعليه، يمكن فهم بعض تجاوزات المشجعين ممن تفلتت منهم كلمة أو إشارة تحت ضغط اللحظة بوصفها اندفاعاً شبابيًا فرضته حماسة المنافسة، ومع هذا فتفهّم الانفعال لا يبرر الإساءة؛ ولا يتسامح فيما قد يمس كرامة الآخر أو يحوّل الرياضة إلى خصومة.
لهذا تبدو البطولة، في معناها السياسي الأهدأ، شاهدًا على بلد يتسع طموحه الرياضي بقدر ما تتسع مسؤولياته.. لقد فاز المنتخب على أرضه، لكن ما يبقى بعد انقضاء الهتافات هو إدراك حقيقة أن مثل هذا التفوق الوطني هو ثمرة ما يُصنع في المدارس والأندية، وحصاد جودة الإدارة والثقة بين المجتمع ومؤسساته الرياضية. وحيث تمضي بلادنا بقدرات شبابها، وتجمع بين بهجة الفوز وعمق البناء، فإننا نكون قد ربحنا من البطولة ما لا تستطيع أي كأس، مهما لمع بريقها، أن تختزله.
في الرياضة.. قمة الكياسة أن نقرأ مالا تقرأه السياسة.










































