اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
حسين بن حمد الرقيب
لا يمكن تقييم نجاح هيئة التأمين من خلال نمو الأقساط وحده. فقد تجاوزت أقساط القطاع 50 مليار ريال خلال النصف الأول من عام 2026، لكن خلف هذا النمو ما زالت هناك شركات محدودة رأس المال، ضعيفة القدرة على المنافسة، ومتقلبة النتائج. وهذا يكشف أن نمو السوق لم يصاحبه حتى الآن حسم تنظيمي يعيد بناء القطاع على أسس مالية أقوى.
قضية «المتحدة للتأمين»، بعد قيد طلب افتتاح إجراء التصفية ضدها وتعليق تداول سهمها، يجب ألا تُقرأ باعتبارها أزمة شركة منفردة، بل باعتبارها اختباراً مباشراً لفاعلية الرقابة، فالتعثر لا يبدأ عند تقديم طلب التصفية، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما تتكرر الخسائر، وتتآكل حقوق المساهمين، وتضعف الملاءة، وتفشل محاولات الاندماج، وإذا كانت كل هذه المؤشرات ظاهرة، فلماذا لم تُفرض المعالجة قبل الوصول إلى المرحلة الأخيرة؟
ليس دور هيئة التأمين أن تراقب الشركات من بعيد أو تنتظر أن تقترح مجالس إداراتها حلولاً قد تتعارض مع مصالح أعضائها، مسؤولية الهيئة أن تتحرك مبكراً، وأن تضع قواعد صارمة تمنع استمرار أي شركة لا تمتلك القدرة المالية والتشغيلية على حماية حملة الوثائق، فالترخيص ليس حقاً دائماً، واستمرار الشركة في السوق يجب أن يرتبط بقدرتها الحقيقية على الوفاء بالتزاماتها وصناعة قيمة مستدامة.
الحل واضح ولا يحتاج إلى المزيد من الدراسات: على هيئة التأمين رفع الحد الأدنى لرأس مال شركات التأمين إلى مليار ريال، وتحديد مهلة ملزمة للتنفيذ، ثم فرض مسار واضح على الشركات التي لا تستوفي المتطلب، إما زيادة رأس المال من خلال حقوق الأولوية، وإما الدخول في اندماج منظم تشرف عليه الهيئة، وإلا يُسحب الترخيص وتخرج الشركة من السوق وفق إجراءات تحمي حملة الوثائق والمساهمين.
الأرقام تفضح هشاشة الهيكل الحالي؛ فمن أصل 26 شركة تأمين وإعادة تأمين مدرجة، لا يتجاوز رأسمال سوى ست شركات حاجز المليار ريال، بينما تقف 20 شركة دونه. وبإعادة تجميع رؤوس أموال الشركات الصغيرة يمكن خفض عدد شركات القطاع إلى نحو 14 كياناً قوياً، بدلاً من الإبقاء على عدد كبير من الشركات التي تستنزف رؤوس أموالها في المصاريف والمنافسة السعرية.
المطلوب من الهيئة ليس إنقاذ الإدارات الفاشلة، بل حماية السوق من استمرارها. كما أن رفع رأس المال وحده لا يكفي ما لم يصاحبه فحص لجودة الأصول والاحتياطيات وكفاءة التسعير وقدرة الإدارة على تحقيق أرباح تأمينية حقيقية.
هيئة التأمين أمام لحظة حسم: إما أن تقود إعادة هيكلة القطاع الآن، أو تترك المحاكم والتصفيات تعالج لاحقاً ما كان يمكن للرقابة أن تمنعه مبكراً. فالرقابة التي تأتي بعد وقوع الضرر لا يمكن اعتبارها رقابة فعالة حقاً، وحين يتأخر المنظم عن اتخاذ القرار، لا تدفع الشركات الثمن وحدها؛ بل يدفعه المساهم والمؤمن له وثقة السوق كاملة.










































