اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
شركة إيفرغراند الصينية ومؤسسها هوي كا يان كانا يمثلان قصة نجاح لإمبراطورية بلغت القمم وانهارت بعدها. تأسست إيفرغراند عام 1996م في مدينة قوانغتشو، في زمن كانت الصين تعيش فيه طفرة عمرانية هائلة. ملايين الناس ينتقلون من الأرياف إلى المدن، والطلب على الشقق يرتفع، والحكومات المحلية تعتمد على بيع الأراضي، والمستثمرون يرون في العقار طريقًا سريعًا للثروة. في هذا المناخ، بنى هوي واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في الصين.
لكن كيف كبرت إيفرغراند بهذه السرعة؟ كان نموذج الشركة يعتمد على الاقتراض المكثف، وبيع الشقق قبل اكتمالها، ثم استخدام الأموال لإطلاق مشاريع جديدة. ما دام الطلب قويًا والتمويل متاحًا، بدا النمو عبقريًا، ووصلت ثروة هوي إلى نحو 45 مليار دولار مما جعله من أغنى رجال آسيا وقتها.
ما الذي حصل للشركة، وكيف تغير مسارها؟ وصلت ديون إيفرغراند إلى ما يقارب 300 مليار دولار، لتصبح من أكثر شركات العقار مديونية في العالم. وفي عام 2021 عجزت عن سداد ديونها، وبدأت قصة الانهيار الكبير.
لم تكن الأزمة مالية فقط.. التحقيقات كشفت اتهامات بتضخيم البيانات المالية، والاحتيال، وجمع الأموال بطرق غير قانونية، والرشوة، وإساءة استخدام الأصول. وفي أغسطس 2026 حكمت المحكمة على هوي بالسجن مدى الحياة، مع مصادرة ممتلكاته الشخصية، وفرضت غرامات ضخمة على إيفرغراند وذراعها العقارية.
قصة هوي وإمبراطوريته المنهارة فيها العديد من الدروس القيادية، ومنها:
لا تنخدع بالأرقام والمؤشرات: القيادة لا تعني المطاردة الدائمة للأرقام، إذ يقع بعض القادة في فخ الأرقام الكبيرة: إيرادات أكبر، مشاريع أكثر، توسع أسرع، وقيمة سوقية أعلى. لكن الأرقام قد تخدع.. فقد تبدو الشركة ناجحة من الخارج، بينما تعاني داخليًا من ديون، وضعف سيولة، والتزامات مؤجلة، ومخاطر متراكمة.. القائد الناضج لا يكتفي بالأرقام اللامعة، بل يقرأ ما وراءها.
احرص على معالجة الواقع وليس السمعة فقط: كان هوي كا يان من أشهر رجال الأعمال في الصين وآسيا، وكانت إيفرغراند اسمًا ضخمًا.. لكن السمعة لم تمنع الانهيار. العلامة التجارية القوية لا تكفي إذا كان النموذج المالي ضعيفًا، والشهرة لا تحمي الشركة إذا فقد السوق ثقته فيها. لذلك، القائد الفذ يبني الثقة من خلال الأساسيات ومعالجة الواقع، وليس من خلال السمعة والصورة الخارجية فقط.
الحوكمة والشفافية أولوية قصوى: كلما كبرت الشركة أو المنظمة، زادت الحاجة إلى رقابة وشفافية ومحاسبة. إذا تركزت القرارات في يد شخص واحد أو مجموعة ضيقة، تصبح الشركة أكثر عرضة للمخاطر. القيادة الناجحة لا تعني أن يقرر المؤسس كل شيء، بل أن يبني نظامًا قادرًا على كشف الأخطاء مبكرًا، ومساءلة الإدارة، ومراجعة القرارات الكبرى، وحماية الشركة من اندفاع القائد نفسه.
لا تكن أسير أساليب الماضي: من أخطر أوهام القادة الاعتقاد أن ما نجح في الماضي سينجح دائمًا. إيفرغراند استفادت من بيئة معينة تمثلت في نمو عقاري سريع، وتمويل متاح، وطلب مرتفع. لكن عندما تغيرت السياسات والظروف الاقتصادية، لم يكن النموذج قادرًا على التكيف. لذلك، من المهم لك، بوصفك قائدًا، ألّا تقع في أسر النموذج الذي صنع نجاحك في الماضي.
باختصار؛ قصة انهيار هوي كا يان وشركة إيفرغراند درس في أن القيادة ليست القدرة على البناء السريع فقط، بل في القدرة على البناء المستدام، فالقائد الناجح لا يقيس نفسه بحجم الإمبراطورية التي بناها، بل بمتانة الأساس الذي تقوم عليه.










































