اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٤ أب ٢٠٢٦
لم يعد الإعلام الرياضي مجرد ناقلٍ للأحداث أو محللٍ للنتائج، بل أصبح لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام، وصناعة المزاج الجماهيري، وتوجيه بوصلة النقاش. هذه المكانة تمنحه مسؤولية كبيرة، لكنه في بعض الأحيان يتحول من جزءٍ من الحل إلى جزءٍ من الأزمة، عندما يتراجع صوت المهنية أمام ضجيج الإثارة.
في السنوات الأخيرة، تغيّر المشهد الإعلامي بصورة متسارعة. لم تعد المنافسة على تقديم المعلومة الأسرع أو التحليل الأعمق، بل أصبحت المنافسة في كثير من الأحيان على تحقيق أعلى نسب مشاهدة، وأكثر المقاطع تداولًا، وأشد العناوين إثارة. وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن الرياضة التي يفترض أن تجمع الجماهير تتحول إلى ساحة للاستقطاب والانقسام.
ليس كل إعلامي يمارس هذا الأسلوب، فهناك أسماء مهنية تحترم عقل المتلقي وتلتزم بالموضوعية. لكن المشكلة تكمن في أن الأصوات الأكثر هدوءًا غالبًا لا تحظى بالانتشار نفسه، الذي تحققه البرامج والمحتويات القائمة على الجدل والمواجهة. فالخلاف يجذب أكثر من الاتفاق، والاتهام ينتشر أسرع من التحليل، والمشاهد ينجذب أحيانًا إلى الصراع أكثر من انجذابه إلى المعلومة.
وعندما يخسر فريق مباراة، أو يتراجع مستواه، يفترض أن يكون النقاش منصبًا على الجوانب الفنية والإدارية: لماذا خسر؟ أين مكامن الخلل؟ وما الحلول؟ لكننا نشاهد أحيانًا انتقالًا سريعًا إلى اتهامات، وتأويلات، وربط النتائج بأطراف لا علاقة لها بما حدث داخل الملعب. وبدل أن يتعلم الجمهور قراءة المباراة، يتعلم البحث عن 'المتهم” قبل البحث عن الأسباب الحقيقية،
كما أن بعض الطروحات الإعلامية تُسهم، بقصد أو دون قصد، في ترسيخ التعصب الرياضي. فبدل أن يكون الاختلاف في الرأي أمرًا طبيعيًا، يتحول إلى معركة بين جماهير الأندية، ويصبح الانتصار في النقاش أهم من الوصول إلى الحقيقة. وعندما يتكرر هذا الخطاب يومًا بعد يوم، تتكون قناعات يصعب تغييرها حتى لو أثبتت الوقائع عكسها،
وسائل التواصل الاجتماعي زادت من تعقيد المشهد. فأصبح الإعلامي ينافس صانع المحتوى، وكلاهما يسعى إلى الانتشار. وفي ظل سرعة تداول الأخبار، قد تنتشر رواية غير مكتملة أو تحليل متسرع قبل ظهور الحقائق، ثم تبقى آثارها في أذهان الجماهير حتى بعد تصحيحها. وهنا تتضاعف مسؤولية الإعلام في التحقق قبل النشر، وفي تقديم المعلومة على حساب السبق إذا تعارض الاثنان.
إن الإعلام الرياضي الحقيقي لا يُقاس بقدرته على إثارة الجدل، بل بقدرته على رفع مستوى الوعي الرياضي. فالجمهور يحتاج إلى من يشرح الأنظمة، ويحلل الأداء، ويناقش القرارات بلغة هادئة ومنطقية، لا إلى من يؤجج الخلافات أو يحول كل قضية إلى مواجهة مفتوحة.
الرياضة ستبقى مجالًا للمنافسة، والخلاف في الآراء سيبقى حاضرًا، وهذا أمر صحي. لكن غير الصحي هو أن يصبح الجدل غاية في حد ذاته، وأن تتحول المنصات الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات، أو كسب التعاطف الجماهيري. فالإعلام الذي يبني الوعي يترك أثرًا طويلًا. أما الإعلام الذي يطارد الإثارة؛ فإنه قد يكسب لحظة انتشار، لكنه يخسر ثقة الجمهور على المدى البعيد.
في النهاية، لا يمكن تحميل الإعلام الرياضي وحده مسؤولية كل ما يحدث، فالجماهير، والأندية، ومنصات التواصل، جميعها أطراف في المشهد. لكن الإعلام يظل الطرف الأكثر تأثيرًا، ولذلك فإن مسؤوليته أكبر. وكلما اقترب من المهنية والإنصاف والطرح المتزن، اقتربت الرياضة من رسالتها الحقيقية؛ بوصفها منافسة شريفة تجمع الناس، لا ساحة تزيد الانقسام بينهم.










































