اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ أب ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
عندما يأتيك طفلك بمقطع غريب، ابحث معه عن مصدره، وقارنا ما يقوله بمصدر آخر.. اسأله: ما الذي جعلك تصدق هذا الشخص؟ وهل يوجد مصدر أكثر موثوقية؟ ثم اتركا الإجابة تأتي من البحث والمقارنة.. دقائق قليلة كهذه قد تكون درسًا في 'الوعي الإعلامي' أقوى من محاضرة كاملة..
ربما شاهد طفلك مقطعًا على اليوتيوب، ثم سألك: هل هذا صحيح؟، سؤالٌ يبدو بسيطًا، لكنه يكشف عن تحدٍّ تربوي جديد؛ كيف يستطيع الطفل أن يميّز بين ما يستحق ثقته وما يستدعي التحقق، وسط تدفقٍ يومي من المقاطع والصور والمعلومات..؟
أعتقد أن هذا السؤال سيصبح واحدًا من أهم الأسئلة التربوية في بيوتنا الآن وخلال السنوات المقبلة. الطفل اليوم يرى عالمًا كاملًا من خلال شاشة يحملها بين يديه؛ أخبارًا ومقاطع وصورًا ومؤثرين ومعلومات ونصائح، ومع الذكاء الاصطناعي أصبح ما يراه أكثر إقناعًا، وأحيانًا أكثر التباسًا.
لهذا انشغلنا، نحن المهتمين بالتربية والوعي الإعلامي، بتعليم الأجيال الجديدة الشكّ والتحقّق. نقول للطفل: انتبه للمصدر، تحقق من الصورة، قد يكون المقطع مزيفًا، وقد تكون المعلومة مضللة.. كل هذا مهم، ولكن دراسة حديثة جعلتني أتوقف عند سؤال آخر: ماذا لو بالغنا في تعليم الطفل الشك؟
في دراسة نشرتها مجلة Cognition عام 2025، عُرضت على 135 طفلًا، تتراوح أعمارهم بين الرابعة والثانية عشرة، أخبار حقيقية وأخرى زائفة سبق تداولها على الإنترنت. حاول الباحثون تدريب الأطفال على التدقيق في الأخبار من خلال فحص معقولية المحتوى أو مصداقية المصدر.. كان المتوقع أن يصبح الأطفال أكثر قدرة على التفريق بين الصحيح والزائف، المفاجأة أن التدريب القصير دفعهم إلى مزيد من التشكيك في الأخبار عمومًا، من دون تحسن واضح في قدرتهم على التمييز بينها.
توقفت طويلًا أمام هذه النتيجة، فنحن نفترض عادة أن زيادة الشك تعني زيادة الوعي. وبين الاثنين مساحة دقيقة جدًا. الوعي يساعدني على أن أسأل وأفحص وأقارن، ثم أصل إلى حكم، أما الشك المفتوح فيترك الإنسان واقفًا أمام كل معلومة وهو يقول: ربما تكون كاذبة!
والمشكلة هنا أكبر عندما نتحدث عن طفل فعلًا، ودراسة أخرى منشورة عام 2025 شملت 3161 طالبًا من الصف السادس إلى التاسع، اختبرت تدخلات للتربية الإعلامية والمعلوماتية داخل الفصول الدراسية. ظهرت فوائد لدى بعض الطلاب بعد أسبوع، ثم كشفت المتابعة بعد سبعة أسابيع نتيجة تستحق الانتباه: لدى بعض الفئات الأكبر سنًا ارتفع التشكيك في الأخبار الحقيقية وتراجعت القدرة على التمييز، مع اختلاف النتائج باختلاف العمر والمرحلة الدراسية.
هذه النتائج تدفعنا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نقدم بها الوعي الإعلامي لأطفالنا، فربما يحتاج الطفل إلى شيء أعمق من قائمة التحذيرات.
وعندما يأتي ابنك بمقطع غريب، جرّب أن تبحث معه عن مصدره، افتحا مصدرًا آخر، قارنا بين الخبرين. اسأله: ما الذي جعلك تصدق هذا الشخص؟ وهل توجد جهة يمكن أن نثق بمعلوماتها أكثر؟ ثم دعه يصل معك إلى النتيجة.. هذه الدقائق القليلة قد تكون درسًا في 'الوعي الإعلامي' أقوى من محاضرة كاملة؛ لأن الطفل يتعلم خلالها كيف يفكر عندما يواجه المعلومة، وكيف يبني ثقته خطوة خطوة.
والحاجة إلى ذلك تبدأ في عمر أبكر مما نتخيل، ففي دراسة دنماركية حديثة منشورة عام 2026، شارك 401 طفل تتراوح أعمارهم بين الخامسة والثانية عشرة، ووجد الباحثون أن المعلومات المضللة حاضرة بالفعل في تجارب الأطفال الرقمية، وبرز «يوتيوب» ضمن المنصات المرتبطة بهذه الخبرات.
الطفل إذن يدخل إلى عالم المعلومات المربكة مبكرًا، وربما قبل أن نقرر نحن أن الوقت قد حان لتعليمه التربية الإعلامية. وهنا أرى أن أمام الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام في السعودية مسؤولية مختلفة خلال السنوات القادمة، فأطفالنا يحتاجون إلى معرفة المصادر التي تستحق الثقة، وكيف يقارنون بين المعلومات، وكيف يبحثون عن الدليل، وكيف يغيّرون أحكامهم عندما تظهر معلومات أقوى، نحتاج أن نجعل التحقق عادة يومية هادئة، مثلما علّمنا أبناءنا الجمع والطرح!
وقد تكون هذه النقطة تحديدًا هي التحول الذي يحتاجه مفهوم الوعي الإعلامي لدى الأطفال: الانتقال من ثقافة 'انتبه، قد يخدعونك' إلى عقلية 'دعنا نعرف كيف نتأكد'.
ختامًا، الطفل الذي سيعيش في عالم الذكاء الاصطناعي لن تنقصه المعلومات، ستأتيه أكثر مما يستطيع استيعابه، وبصور يصعب أحيانًا التمييز بينها.. لهذا، عندما يسألك في المرة القادمة وهو يحمل هاتفه: هل هذا صحيح؟ ربما تكون أجمل إجابة تربوية: تعال.. نبحث معًا ونتأكد!










































