اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
الرياض- الهنوف بن حسان
إن القرارات الكبرى في تاريخ الأمم لا تأتي معزولة عن سياقها، بل تكون امتدادًا لمسيرة طويلة من الرؤية والإرادة السياسية التي تصنع التحولات الكبرى. وفي سياق التحولات العميقة التي تعيشها المملكة العربية السعودية في عهد النهضة الوطنية الشاملة، يأتي صدور الأمر الملكي بتأسيس جامعة الرياض للفنون حدثًا مفصليًا في تاريخ الثقافة السعودية، وخطوة استراتيجية تؤكد دخول المملكة مرحلة جديدة يصبح فيها الإبداع الثقافي جزءًا أصيلًا من مشروعها الحضاري والاقتصادي.
ولا يقتصر هذا القرار على إنشاء مؤسسة تعليمية متخصصة في الفنون، بل يعكس رؤية متكاملة ترى في الثقافة عنصرًا جوهريًا في بناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية وتوسيع حضور المملكة في المشهد الحضاري العالمي. وعند قراءة هذا القرار في سياقه التاريخي يتضح أنه امتداد لمسيرة قرارات تحوّلية أسهمت في بناء التعليم والتنمية في المملكة.
ففي عام 1960م أصدر الملك سعود بن عبدالعزيز – رحمه الله – قرار إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات، وهو القرار الذي فتح أبواب العلم أمام المرأة السعودية وأسّس لمرحلة جديدة من تمكينها علميًا ومعرفيًا، وأصبح أحد الأعمدة التي قام عليها تطور التعليم في العقود اللاحقة.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، تواصل المملكة كتابة فصل جديد من مسيرة التحول الحضاري في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعم وقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي راهن على الإنسان السعودي وقاد أحد أعظم مشاريع التحول الوطني في تاريخ المملكة.
وتكشف تجارب الحضارات أن الفنون كانت دائمًا في قلب النهضة الحضارية للأمم، وأن الدول التي حققت حضورًا عالميًا لم تعتمد على الاقتصاد أو القوة العسكرية وحدهما، بل بنت مكانتها عبر الثقافة والفنون والإبداع. كما تشير الدراسات إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية تعد من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي وتوفر ملايين فرص العمل.
ومن هذا المنطلق يمثل تأسيس جامعة الرياض للفنون استثمارًا في اقتصاد المستقبل القائم على الإبداع والمعرفة، ومنصة أكاديمية لإعداد متخصصين في الفنون البصرية والمسرح والموسيقى والسينما والتصميم وإدارة التراث الثقافي، بما يسهم في تحويل الموهبة إلى صناعة ثقافية متكاملة تدعم الاقتصاد الوطني وتعزز القوة الناعمة للمملكة.
وهكذا تواصل المملكة مسيرة البناء، حيث يلتقي التعليم بالإبداع، وتتواصل رحلة الاستثمار في الإنسان، الثروة الحقيقية للوطن.










































