اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
لا تُقاس قدرة الحكومة على إدارة الحاضر بما تنجزه اليوم فحسب، بل بقدرتها على قراءة المؤشرات، واستشراف التحديات، واتخاذ قرارات تمنع مشكلات الغد قبل وقوعها. وفي عصر تتسارع فيه المتغيرات، لم تعد البيانات مجرد سجلات تحفظ ما حدث، بل أصبحت موردًا استراتيجيًا يمكن أن يعيد تشكيل طريقة تفكير المؤسسات وصناعة قراراتها. وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة للانتقال من الإدارة القائمة على الاستجابة إلى إدارة أكثر استباقية وقدرة على التنبؤ.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تسريع الإجراءات، بل يمتد إلى تحليل البيانات، واكتشاف الأنماط، وتوقع الاحتياجات، ومقارنة البدائل، بما يساعد صانع القرار على رؤية أوسع وأكثر استنادًا إلى الأدلة. وفي الإدارة الحكومية، يمكن أن ينعكس ذلك على كفاءة الإنفاق العام، وتوجيه الموارد نحو الأولويات، وتحسين الخدمات، وتعزيز قدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة بدلًا من الاكتفاء بالخبرة السابقة أو المعالجة اللاحقة للمشكلات.
وفي الأردن، لم يعد هذا التوجه مجرد تصور للمستقبل، بل بدأ يأخذ شكلًا عمليًا، فقد أقرّت الحكومة الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي وخطتها التنفيذية للأعوام 2023–2027، متضمنة 68 مشروعًا تستهدف بناء القدرات الوطنية وتطوير البيئة التنظيمية وتوظيف هذه التقنيات في رفع كفاءة القطاع العام.
ويتكامل هذا المسار مع التوجهات التي أكدها سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، من خلال متابعة أعمال المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل والتأكيد على أهمية إدارة البيانات الحكومية تمهيدًا لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين. كما شدد سموه، خلال مشاركته في منتدى «تواصل 2026»، على أهمية تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الكفاءة والإنتاجية في القطاعين العام والخاص. وتعكس هذه التوجهات أهمية الانتقال من امتلاك التكنولوجيا إلى توظيفها في تحقيق نتائج ملموسة.
وعلى الرغم من توفر الإمكانات، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة القرار يتطلب حوكمة واضحة تضمن موثوقية البيانات، وحماية الخصوصية، والشفافية، وإمكانية المساءلة. فالخوارزميات قد تكشف أنماطًا وتقدم توقعات، لكنها قد تتأثر ببيانات غير مكتملة أو تحيزات غير ظاهرة. لذلك، ينبغي أن يبقى القرار الذي يمس حقوق المواطنين ومصالحهم خاضعًا للتقدير البشري المسؤول، وألا تتحول التوصيات التقنية إلى أحكام نهائية دون مراجعة واعية.
ومن هنا، فإن الخطوة الأهم أمام المؤسسات الحكومية تتمثل في تحديد المشكلات التي يمكن للذكاء الاصطناعي معالجتها، والبدء بتجارب عملية قابلة للقياس، وتطوير مهارات الموظفين، ثم تعميم الحلول التي تثبت جدواها. فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد الأنظمة المستخدمة، بل مقدار التحسن الذي تحققه في جودة القرار، وكفاءة الموارد، وتجربة المواطن.
إن بناء حكومة أكثر ذكاءً واستباقية لا يبدأ باستخدام التكنولوجيا بحد ذاته، بل بإعادة التفكير في كيفية صناعة القرار،فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنح الحكومة قدرة أكبر على التحليل واستشراف الاحتمالات، لكن تحويل هذه القدرة إلى قيمة عامة يتطلب قيادة واعية، وبيانات موثوقة، ومؤسسات تتعلم وتتطور، وإنسانًا يدرك أن التكنولوجيا أداة لتعزيز مسؤوليته وليست بديلًا عنها.
فحكومة المستقبل ليست التي تعرف ما حدث فحسب، بل التي تحسن الاستعداد لما قد يحدث، وتتخذ اليوم قرارات تصنع غدًا أفضل.












































