اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ١٦ أيار ٢٠٢٦
لطالما طاردت حكايات الخيال العلمي وأفلام 'الزومبي' مخيلتنا بفكرة مرعبة، تتمثل في انتقال مسببات الأمراض النباتية إلى البشر، وتحويلهم إلى كائنات مريضة أو فاقدة للإرادة. وبينما أن هذه الفكرة تبدو سينمائية بحتة، فإن الإجابة العلمية الصادمة التي أكدها الخبراء هي أن انتقال هذه العدوى ممكن فعليًا، وإن كان حدوثه شديد الندرة.
حصون بيولوجية منيعة
تشير المعطيات الطبية، وفق موقع لايف ساينس، إلى أن انتقال مسببات الأمراض من النبات إلى الإنسان يواجه عقبات معمارية معقدة؛ فمسببات الأمراض النباتية، سواء كانت فيروسات أو بكتيريا أو فطريات، تطورت لاختراق الجدران الخلوية السميكة للنباتات المكونة من السليلوز.
وفي المقابل، تحظى الخلايا البشرية بحماية أغشية دهنية مبطنة ببروتينات قادرة على إطلاق استجابة مناعية فورية، وهي آليات لا تملك جراثيم النبات أدوات لاختراقها.
يبرز عائق آخر أكثر صرامة يتمثل في حاجز الحرارة؛ فالفطريات والبكتيريا النباتية تعيش عادة في درجات حرارة لا تتجاوز 25 درجة مئوية، بينما يبلغ متوسط حرارة جسم الإنسان معدلات أعلى بكثير.
توضح الدكتورة سوما دوتا، أخصائية الميكروبيولوجيا الطبية في مستشفيات أبولو الهندية، هذا التباين قائلة: «إن جسد الإنسان يمثل فرنًا حقيقيًا، وهذه الحرارة تدمر بروتينات تلك المسببات وتمنعها من إحداث العدوى».
اختراق في الهند
رغم هذه الحصانة، سُجلت استثناءات مقلقة تعيد رسم حدود الطب؛ ففي عام 2023، وثقت الدكتورة دوتا وزميلتها أوجياييني راي حالة غامضة لعالم فطريات نباتية يبلغ من العمر 61 عامًا، عانى من سعال مستمر وصعوبة في البلع دون سبب واضح.
كشفت الفحوصات عن وجود خراج مليء بالقيح بجوار قصبته الهوائية، ناتج عن أبواغ فطر 'الورقة الفضية' الذي يصيب النباتات عادة.
طبيعة عمل المريض التي تضمنت احتكاكًا مكثفًا ومباشرًا مع الأخشاب والفطريات المتعفنة، وفرت مسارًا واضحًا لاستنشاق الأبواغ.
ونجح هذا الفطر المعتاد على الأجواء الباردة في النجاة داخل درجات الحرارة البشرية المرتفعة، متجاوزًا مرحلة حاسمة من الاستجابة المناعية، قبل أن يتماثل المريض للشفاء التام لاحقًا بفضل الأدوية المضادة للفطريات.
بكتيريا في المستشفيات
لا يتوقف الخطر عند الفطريات، بل يمتد إلى بكتيريا نباتية تجد طريقها إلى الفئات الأضعف مناعيًا، حيث تزدهر العديد من هذه المسببات في البيئات الدافئة والرطبة، وقد رُصدت داخل معدات التنفس والقسطرة في المستشفيات.
تتجلى الخطورة في بكتيريا تسبب تعفن الأرز والذرة، التي أثبتت قدرتها على إحداث تسمم دموي مميت إذا تسللت إلى مجرى الدم البشري.
ويمتد التهديد ليشمل مرضى التليف الكيسي، حيث سجلت الأبحاث حالات أدت فيها بكتيريا مسؤولة عن تعفن البصل إلى التهابات رئوية قاتلة، بعدما تمكنت من اختراق الأهداب الدفاعية والبطانة المخاطية للمسالك الهوائية البشرية.
كما رُصدت بكتيريا أخرى تسبب العفن الطري في البطاطس، وهي تهاجم مرضى الحروق الشديدة والسرطان ونقص المناعة داخل الأروقة الطبية.
فيروسات التبغ والفلفل
تحمل الفيروسات النباتية مفاجآت علمية خاصة، إذ تعتمد آليات مختلفة كليًا عن الفيروسات البشرية.
ومع ذلك، اكتشف فريق البروفيسور فيليب كولسون، أستاذ علم الفيروسات الطبية بجامعة إيكس مرسيليا الفرنسية، آثارًا لفيروس 'تبقع الفلفل الخفيف' شديد العدوى في عينات براز بشرية.
ووجد الباحثون ارتباطًا ملحوظًا بين وجود الفيروس وظهور أعراض كالحمى وحكة الجلد لدى المرضى، إلى جانب رصد أجسام مضادة تفاعلت مع هذا الفيروس النباتي الذي أثبت قدرة فائقة على الصمود داخل الأمعاء البشرية.
يثير فيروس 'فسيفساء التبغ' تساؤلات أعمق، حيث أظهرت أبحاث سابقة وجوده في خزعات لمرضى سرطان الرئة.
ورصدت أبحاث كولسون هذا الفيروس في اللعاب وداخل علامات تجارية للسجائر، مما يطرح تساؤلات جدية حول قدرته على السفر عبر الدخان إلى أجسادنا، وربما لعب دور خفي في السرطانات المرتبطة بالتدخين.
المناخ يمحو الفوارق
يقف العالم اليوم أمام نقطة تحول حرجة مع تصاعد أزمة الاحتباس الحراري؛ فالحاجز الحراري الذي حمانا لآلاف السنين يتعرض للتآكل المستمر بفضل التغير المناخي.
ومع ارتفاع حرارة كوكب الأرض، قد تجد مسببات الأمراض النباتية نفسها مجبرة على التكيف مع بيئات أكثر سخونة، مما يمنحها تدريبًا مجانيًا يجهزها لاختراق درجة حرارة الجسد البشري.
تختتم الدكتورة دوتا هذا المشهد بتحذير يمس مستقبلنا المباشر، مؤكدةً أن تطور هذه المسببات يتطلب يقظة مستمرة؛ فرغم قوة الحواجز البيولوجية بين الخلايا النباتية والحيوانية وصعوبة كسرها، تظل حالة الاختراق الفطري في الهند بمثابة جرس إنذار قاطع بأن «الكلمة النادرة لا تعني المستحيل أبدًا».










































