اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
ما تشهده المنطقة من حروب ونزاعات وصراع على مناطق النفوذ، إلى جانب نشاط الجماعات المسلحة والتوتر حول مصادر الطاقة وخطوط الإمداد والممرات البحرية، يكشف مدى الترابط بين الأمن السعودي والاستقرار الإقليمي.. فموقع المملكة وحجم اقتصادها ودورها في أسواق الطاقة يجعل استقرارها عاملًا مهمًا في معادلة أوسع تتجاوز حدودها الوطنية..
في السياسة.. لا تقاس قوة الدول بارتفاع أصوات خصومها أو بكثافة الحملات التي تستهدفها، بقدر ما تقاس بقدرتها على حماية مصالحها والحفاظ على استقلال قرارها وإدارة الضغوط من دون أن تتحول إلى رهينة لها. ومن هذه الزاوية، تبدو السعودية من الدول التي يستحيل دفعها عبر الضغط وحده إلى خيارات لا تنسجم مع حساباتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.
فالمملكة تحتل موقعا يصعب تجاهله عند الحديث عن توازنات المنطقة. ثقلها السياسي والاقتصادي، وتأثيرها في أسواق الطاقة، وقدراتها الدفاعية، وعلاقاتها الدولية، وتماسك مؤسسات الدولة، كلها عوامل تمنحها مساحة واسعة للحركة والمناورة. وهذا لا يعني أنها بمنأى عن الضغوط أو التحديات، فلا توجد دولة كذلك، لكنه يعني أن تحويل هذه الضغوط إلى قدرة على فرض خيارات عليها يظل أكثر تعقيدا مما قد توحي به بعض الخطابات السياسية والإعلامية.
وما تشهده المنطقة من حروب ونزاعات وصراع على مناطق النفوذ، إلى جانب نشاط الجماعات المسلحة والتوتر حول مصادر الطاقة وخطوط الإمداد والممرات البحرية، يكشف مدى الترابط بين الأمن السعودي والاستقرار الإقليمي.. فموقع المملكة وحجم اقتصادها ودورها في أسواق الطاقة يجعل استقرارها عاملا مهما في معادلة أوسع تتجاوز حدودها الوطنية.
لهذا تميل الرياض في إدارة ملفاتها الحساسة إلى الجمع بين حماية المصالح وترك مساحة للدبلوماسية برشد.. وهي لا تتعامل بالضرورة مع كل خلاف باعتباره مواجهة، كما لا تبدو معنية بالرد على كل حملة سياسية أو إعلامية بالمستوى نفسه.. ففي بعض الأحيان يكون تجاهل الضجيج أكثر فاعلية من الانشغال به، خصوصا عندما تكون موازين المصالح والوقائع أكثر تأثيرا من الخطاب.
وهنا تظهر إحدى سمات السياسة السعودية الراشدة خلال مراحل مختلفة: محاولة الفصل بين الضغوط الآنية والمصالح طويلة المدى. فالدولة التي تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والمصالح لا تحتاج إلى الدخول في كل سجال، كما أن قدرتها على تنويع خياراتها تمنحها هامشا أكبر في التعامل مع الأزمات.
وقد تطفو بعض الحملات الإعلامية على سطح المشهد، فتبدو أكثر تأثيرا من حجمها الحقيقي، ويعتقد داعموها أن كثافة الخطاب أو اتساع الضجيج قادران على تغيير الواقع الملموس وفرض نتائج سياسية. وهذه قراءة تفتقر إلى النضج السياسي، لأنها تخلط بين صناعة الانطباع وصناعة الأثر.. فما يتصدر الشاشات والمنصات قد يصنع وهما مؤقتا بالقوة، لكنه لا يغير بالضرورة موازين المصالح، ولا يعيد تشكيل حقائق السياسة على الأرض.
كما أن قراءة التجربة السعودية في إدارة الأزمات تشير إلى ميل واضح نحو منح الوقت والدبلوماسية مساحة قبل الانتقال إلى خيارات أخرى.. وقد يفسر البعض هذا النهج باعتباره ترددًا، بينما يمكن قراءته من زاوية مختلفة باعتباره محاولة لتجنب استنزاف الأدوات السياسية في مواجهات لا تحقق عائدًا استراتيجيًا واضحًا.. فالصبر في العلاقات الدولية ليس دليلًا على الضعف بالضرورة، مثلما أن التصعيد ليس دليلًا كافيا على القوة.
وفي المقابل، من المهم عدم التعامل مع النفوذ السعودي باعتباره قدرة مطلقة أو غير قابلة للتحدي. المملكة، مثل غيرها من القوى الإقليمية، تعمل داخل بيئة دولية متغيرة، وتواجه مصالح متعارضة وتحالفات متحركة وأزمات يصعب على أي دولة التحكم في مساراتها منفردة.. غير أن الفارق يكمن في حجم الأدوات المتاحة لها وقدرتها على توزيع خياراتها وعدم حصر مصالحها في مسار واحد.
ومن هنا يصعب بناء تصور واقعي لاستقرار المنطقة يتجاوز السعودية أو يتعامل مع مصالحها الأمنية باعتبارها تفصيلا ثانويا.. فالمملكة تمتلك موقعا جغرافيا محوريا واقتصادا مؤثرا وعمقا عربيا وإسلاميا وشبكة واسعة من الشراكات الدولية، وهي عوامل تجعل الحوار معها أكثر جدوى من محاولة اختبار قدرتها على تحمل الضغوط.
ويبقى القول: الفارق بين صناعة الصورة وصناعة الأثر.. أن الحملات قد تصنع انطباعا سياسيا سريعا، لكن الأثر الحقيقي يقاس بما يتغير على الأرض.. وفي الحالة السعودية، تبدو سياسة الضغط أكثر محدودية كلما تجاهلت المصالح المتبادلة وحقائق القوة. لذلك فإن إدارة الخلاف مع المملكة تبدو أكثر واقعية عندما تقوم على التفاوض وتوازن المصالح واحترام الاعتبارات الأمنية والسيادية، لا على افتراض أن الضغط وحده قادر على إنتاج النتائج المطلوبة.. فالمملكة -بحول الله ومنته- تَفرض ولا يُفرض عليها.










































