اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
تعيد 'دار ليان' قراءة الذاكرة السعودية والعربية بلغة الفن والمعرفة والتقنية.. فمنذ انطلاقتها، آمن مؤسسوها أن الثقافة تحفظ الذاكرة وتمنحها حياة جديدة، وأن الهوية السعودية قادرة على مخاطبة العالم بثقة؛ لتصبح حكاية ذاكرة تعرف جذورها وتتحدث بلغة العالم..
ماذا يحدث للذاكرة حين نكتفي بحفظها فقط؟ قد تبقى الصورة في أرشيف، واللوحة على جدار، والنقش في صحراء أو صخور بعيدة، والحكاية في ذاكرة أصحابها. القيمة الحقيقية تبدأ حين تجد هذه الذاكرة لغة جديدة تستطيع بها أن تعبر الزمن، وتصل إلى جيل آخر، وربما إلى ثقافة أخرى.
من هذه الزاوية تستحق تجربة 'ليان' الثقافية القراءة. فمن يتتبع مشروعاتها يجد أمامه موضوعات تبدو متباعدة: توحيد المملكة، الجمل، النخلة، الفروسية، النقوش الصخرية، والمساجد الثلاثة. غير أن خيطًا واحدًا يجمعها.. البحث في الذاكرة السعودية والعربية، ثم إعادة تقديمها عبر الفن والصورة والكتاب والبحث والتقنية.
بدأت تجربة المؤسسة الثقافية غير الربحية التي حملت اسم 'ليان'، بمبادرة قديرة من صاحب السمو الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد آل سعود، ووجدت دعمًا جديرًا من صاحبة السمو الملكي الأميرة عادلة بنت عبدالله بن عبدالعزيز، ومنذ تأسيسها في العاصمة الرياض عام 2007، أخذت المشروعات تتشكل حول علاقة الفن بالتراث والمعرفة. وربما تكشف عبارة تستخدمها 'دار ليان' في تعريف نفسها، بعبارة لافتة: 'Art Concept Creators' صُنّاع المفاهيم الفنية، والتي تكشف الكثير عن شخصيتها؛ فالفكرة تسبق المعرض، والحكاية تسبق القطعة، والرمز الثقافي يتحول إلى مشروع معرفي وفني متعدد الوسائط؛ لتحتوي فلسفة 'العمل يبدأ من الفكرة، ثم يبحث عن الوسيط القادر على روايتها'.
فخذ مثلًا أحد مشاريعها الرائدة، مشروع 'التوحيد' كمثال مبكر. ففي عام 1982 جال الفنان جيرهارت ليبمان في مناطق المملكة ورسم مواقعها، ثم عادت التجربة لاحقًا إلى الأماكن نفسها لتوثيق تحولاتها بالصورة، وبين المشهدين أصبح المكان نفسه وثيقةً؛ نقرأ عبره تغير العمران والحياة، ونرى تاريخ الدولة من زاوية إنسانية وبصرية مختلفة.
وفي 'الجمل عبر العصور' أصبح أحد أكثر رموز الجزيرة العربية حضورًا موضوعًا لمشروع بحثي وفني استغرق إعداد كتابه سبع سنوات، وشارك فيه باحثون ومتخصصون، وصدر بالعربية والإنجليزية. وفي مجموعة 'النخل' نلتقي رمزًا آخر من رموز البيئة والذاكرة، يُعاد تقديمه عبر الفن المعاصر.
هنا تذكّرنا التجربة بفلسفة متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، الذي يتعامل مع خمسة آلاف عام من الإبداع الإنساني كمصدر يلهم فناني ومصممي الحاضر، انطلاقًا من فلسفة الماضي يستطيع أن يصبح مادة لإنتاج أفكار جديدة كلما وجد قراءة معاصرة ابتكارية إبداعية.
وفي نفس المنعطف، تأخذ المسألة بعدًا مختلفًا في مشروع 'قصص في الصخور'، الذي استعان بتقنيات التصوير عالي الدقة لتوثيق النقوش الصخرية السعودية. التقنية هنا تمنح الشاهد التاريخي فرصة للبقاء والوصول. وهي فكرة نراها اليوم بصورة واسعة في متحف القصر في بكين، الذي يوظف الرقمنة والنماذج ثلاثية الأبعاد والتقنيات الحديثة لإعادة تقديم تراث يمتد قرونًا.
المثير أن الذاكرة التي بدأت من المكان السعودي أخذت تسافر وتصدّر أيضًا. ففي 2026 وصل معرض 'مساجد تشد إليها الرحال' إلى مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، مقدمًا أعمالًا فنية حول المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى لجمهور جديد. هنا تكتسب الثقافة قدرتها على الحوار؛ فالعالم يتعرف إلى المكان من خلال عين الفنان، وإلى التاريخ من خلال الحكاية التي تحملها الصورة.
قبل قرنين تقريبًا، اختصر جيمس سميثسون فلسفة المؤسسة التي حملت اسمه في عبارة شديدة البساطة: 'زيادة المعرفة ونشرها'، بقيت العبارة لأن معناها يتجاوز سميثسونيان نفسها؛ لأن المعرفة الثقافية تحتاج إلى حركة مستمرة بين الحفظ والبحث والإتاحة وإعادة الاكتشاف.
وهذا تحديدًا ما يجعل تجربة ليان مثيرة للاهتمام اليوم. فالمملكة تعيش نهضة ثقافية غير مسبوقة، جعلت الثقافة جزءًا أصيلًا من مشروعها التنموي ضمن رؤية السعودية 2030، وفتحت مساحات واسعة أمام التراث والفنون والمتاحف والإبداع والحضور الثقافي السعودي في العالم.
وسط هذا المشهد، تبدو 'ليان' وكأنها بدأت مبكرًا في الاشتغال على سؤال أصبح اليوم أكثر حضورًا: كيف نحفظ الذاكرة السعودية، ثم نعيد تقديمها بطريقة تجعل الأجيال الجديدة قادرة على اكتشافها، والعالم قادرًا على قراءتها؟
وربما تكشف استمرارية التجربة منذ عام 2007 عن جانب يستحق التقدير في الرؤية التي قامت عليها، في تجربة توحي أن مؤسسيها آمنوا مبكرًا بقيمة الثقافة، وبقدرة الفن على حفظ الذاكرة، وبأهمية أن تمتلك المملكة مشروعات تحمل قصتها إلى خارج حدودها.
ومع التحول الثقافي الذي تشهده السعودية اليوم، تبدو تلك الرؤية أكثر اتصالًا بالمستقبل. فالثقافة في رؤية المملكة 2030 مساحة لبناء مجتمع أكثر اعتزازًا بهويته، وقطاعًا يتسع للإبداع والمشاركة، وجسرًا للحضور السعودي عالميًا. وحين نقرأ مشروعات ليان في هذا السياق، نفهم أن كلا من مشاريعها يحمل جزءًا من حكاية سعودية عربية تستحق أن تبقى.
ختامًا، ربما تكمن قيمة التجربة كلها في تلك المسافة بين نقش على صخرة في الجزيرة العربية ولوحة تصل إلى أكسفورد؛ مسافة تبدو جغرافية، وهي في جوهرها الحقيقي رحلة ثقافة عرفت جذورها، ثم امتلكت الثقة لتخاطب العالم بأسره وبكل لغاته الحديثة.










































