اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
101 قضية كريستال في أسبوع واحد، و161 شخصًا أُلقي القبض عليهم، بينهم 41 مروجًا و120 متعاطيًا. وقبلها بأسبوع فقط كانت الحصيلة 107 قضايا و188 موقوفًا، بينهم 56 تاجرًا ومروجًا و132 متعاطيًا.
أي أننا، بجمع الأرقام التي أعلنتها مديرية الأمن العام لأسبوعين متتاليين، أمام 208 قضايا مرتبطة بالكريستال و349 موقوفًا خلال أربعة عشر يومًا فقط. وهذه أرقام لا يجوز أن تمر علينا كخبر أمني أسبوعي معتاد، نقرأه ثم ننتظر أرقام الأسبوع التالي.
هناك شيء يستحق أن نقلق منه، وأن نقلق كثيرًا.
فحين تتمكن إدارة مكافحة المخدرات، في أسبوع واحد، من الوصول إلى عشرات المروجين ومئة وعشرين متعاطيًا للكريستال في مختلف محافظات المملكة، فإن السؤال لم يعد فقط: كم شخصًا ألقي القبض عليه؟ بل كم شخصًا لم يصل إليه رجال المكافحة بعد؟ وكم شابًا يقف اليوم عند بداية الطريق قبل أن يتحول إلى رقم جديد في بيان الأسبوع المقبل؟
والصورة الأوسع لا تقل خطورة. وزير الداخلية مازن الفراية كشف أن عدد قضايا المخدرات المضبوطة خلال العام الحالي بلغ 15 ألفًا و342 قضية، تشكل قضايا الاتجار منها نحو 28 بالمئة، والتعاطي 72 بالمئة، وتحدث أيضًا عن تزايد عمليات تهريب المخدرات من إسرائيل إلى الأردن باستخدام الطائرات المسيّرة. نحن، إذن، أمام تجارة تبحث باستمرار عن طريق جديد للدخول، وسوق يحاول المروجون توسيعها في الداخل.
والكريستال تحديدًا ليس مخدرًا يمكن التعامل معه باستخفاف.
هذه المادة، وهي صورة من الميثامفيتامين، ذات قابلية عالية للإدمان، ويمكن أن يقود تعاطيها المزمن إلى القلق والارتباك واضطرابات المزاج والأرق، وقد يرتبط بالبارانويا والهلوسة والسلوك العدواني، فضلًا عن تغيرات في وظائف الدماغ ومشكلات في الذاكرة والتفكير. هذه ليست أوصافًا شعبية للمخدر، وإنما آثار وثقها المعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات.
ومن هنا يجب ألا نضع الجميع في سلة واحدة.
المتعاطي الذي سقط في الإدمان يحتاج إلى يد تنتشله وعلاج يعيده إلى أسرته وحياته ومجتمعه. أما من يقف على الطرف الآخر ويشتري ويبيع ويروج ويبحث عن زبائن جدد، فهذه قصة أخرى تمامًا. هذا، متى ثبتت جريمته أمام القضاء، لا يمارس نزوة شخصية يدفع هو ثمنها؛ إنه يصنع ضحايا آخرين ويكسب المال من سقوطهم.
القانون الأردني أدرك هذا الفارق. وقانون المخدرات والمؤثرات العقلية النافذ هو القانون رقم 23 لسنة 2016 وتعديلاته، بعد أن ألغى القانون السابق رقم 11 لسنة 1988. والمادة 15 منه تعاقب من يروج المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو يتوسط في ترويجها بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار. وإذا ارتكبت الجريمة بالاشتراك مع قاصر، أو استُخدم قاصر فيها، أو كان من رُوّجت إليه المادة قاصرًا، ترتفع العقوبة إلى الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن عشر سنوات وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف دينار. وفي حالة التكرار، لا يجوز للمحكمة الأخذ بالأسباب المخففة التقديرية.
أما الاتجار، فالعقوبة أشد.
المادة 19 تضع عقوبة لا تقل عن خمس عشرة سنة من الأشغال المؤقتة، وغرامة بين عشرة آلاف وعشرين ألف دينار، على طيف واسع من الأفعال إذا ارتُكبت بقصد الاتجار، بينها الجلب والصنع والتهريب والشراء والبيع والحيازة والنقل والتخزين والاستيراد والتصدير والتوسط في هذه العمليات. وتصل العقوبة إلى الأشغال المؤبدة وغرامة بين عشرين وثلاثين ألف دينار في حالات مشددة حددها القانون، من بينها التكرار واستخدام القاصرين وبعض الحالات الأخرى.
وجرائم المخدرات، لخطرها على أمن المجتمع وسلامته، تقع ضمن الاختصاص النوعي لمحكمة أمن الدولة.
إذن لدينا قانون، ولدينا عقوبات قاسية، ولدينا رجال مكافحة مخدرات يعملون كل يوم ويصلون إلى مئات المتورطين.
لكن السؤال الذي يجب ألا نخشى طرحه: هل هذا كافٍ؟
الأرقام تقول إن علينا أن نراجع ونفكر. ليس لأن التشريع الأردني متساهل، فهو ليس كذلك، ولكن لأن طبيعة الخطر تتغير، وأنواع المخدرات تتغير، وأساليب التهريب والترويج تتغير، وحين تدخل الطائرات المسيّرة إلى معادلة التهريب، ويصبح الهاتف ومنصات التواصل وسيلة للوصول إلى الضحية، فمن الطبيعي أن تبقى التشريعات والسياسات العقابية والوقائية تحت المراجعة.
ونحن في «السوسنة» ندعو إلى مراجعة تشريعية متخصصة للعقوبات المقررة على تجار المخدرات ومروجيها، وخصوصًا في حالات التكرار واستهداف القاصرين والشباب، للتأكد من أن الردع الذي أراده المشرع ما زال قادرًا على مواجهة السوق التي تتغير أمامنا.
لكن هناك بابًا آخر يجب إغلاقه أيضًا.
إنها «الواسطة».
وهنا يجب أن نكون دقيقين؛ فالوساطة في ترويج المخدرات أو الاتجار بها فعل تناوله قانون المخدرات نفسه، لكن ما نتحدث عنه شيء آخر: أن يضبط شخص في قضية مخدرات، ثم تبدأ الهواتف بالعمل، ويتحرك قريب أو صديق أو صاحب وجاهة أو نفوذ بحثًا عمن يستطيع التدخل له أو التأثير غير المشروع في مسار قضيته.
هذه الثقافة يجب أن تنتهي.
كيف نطلب من رجل مكافحة المخدرات أن يلاحق المروج، وأن يدخل المداهمة وهو لا يعرف ماذا ينتظره خلف الباب، ثم يجلس شخص آخر في مكان آمن يبحث في هاتفه عن واسطة للمتهم؟
وأي رسالة نبعث بها إلى رجال المكافحة إذا كان المجتمع نفسه مستعدًا لأن يحاصر جهودهم باتصال هاتفي كلما كان المتهم ابن فلان أو قريب فلان أو يعرف فلانًا؟
قرينة البراءة حق مقدس، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته أمام القضاء، ولا أحد يملك أن يسلبه حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة. لكن المحاكمة العادلة شيء، ومحاولة التأثير غير المشروع في القضية شيء آخر.
ولهذا ندعو إلى دراسة النصوص النافذة لمعرفة مدى كفايتها في ملاحقة صور التدخل والواسطة غير المشروعة في قضايا المخدرات، وإذا كانت هناك مساحة لا تغطيها التشريعات الحالية بوضوح، فلا بد من سدها بنص صريح يجرّم محاولة التأثير غير المشروع في إجراءات الضبط أو التحقيق أو الملاحقة أو المحاكمة في هذه القضايا، ويقرر عقوبة رادعة تتناسب مع طبيعة التدخل وصفة صاحبه.
من يتدخل لإنقاذ مروج من القانون لا يقدم له معروفًا. إنه، من حيث يدري أو لا يدري، يقدم خدمة لسوق المخدرات.
والأمر نفسه ينطبق على الأسرة. حماية الابن لا تكون بإخفاء جريمته إذا ثبت تورطه في الترويج، ولا بالبحث عمن يخرجه من القضية. حمايته الحقيقية، إن كان متعاطيًا، أن يؤخذ إلى العلاج قبل أن يخسره أهله. أما إذا كان يتاجر ويروج، فحماية المجتمع مقدمة على أي اعتبار اجتماعي أو شخصي.
ولا نريد، في المقابل، حربًا على المدمن.
المدمن مريض قبل أن يكون رقمًا في ملف أمني، وإنقاذه مكسب للدولة ولأسرته وللمجتمع. ولذلك يجب أن تتسع أبواب العلاج والتأهيل، وأن تصل الرسالة إلى كل شاب وقع في التعاطي بأن الرجوع ممكن وأن طلب العلاج ليس عارًا.
المطلوب هو أن نعرف جيدًا من نطارد ومن ننقذ.
نطارد من يصنع السوق، ومن يهرب، ومن يتاجر، ومن يروج، ومن يستدرج قاصرًا، ومن يبني ثروته من خراب بيوت الناس. وننقذ من وقع في الإدمان ويريد العودة.
وما تقوم به إدارة مكافحة المخدرات يستحق الدعم الكامل. أرقام الضبط نفسها دليل على حجم العمل الذي يقوم به رجالها، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم المعركة التي أمامنا. الأمن وحده لا يستطيع أن يخوضها. الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمسجد والكنيسة والتشريع والقضاء ومؤسسات العلاج، كل منها يقف على جبهة من الجبهات.
الكريستال ليس 101 قضية هذا الأسبوع و107 في الأسبوع الذي سبقه.
إنه إنذار.
وعلينا أن نتعامل معه كذلك: قانون لا يرحم من يتاجر بحياة أبنائنا، ولا باب خلفيًا يفتحه نفوذ أو واسطة لمروج ثبتت إدانته، وفي الجهة الأخرى يد تمتد إلى المدمن قبل أن يغرق أكثر.
هكذا تكون الحرب على المخدرات عادلة. وهكذا يمكن أن تكون حاسمة.












































