اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. حنان الجعيدان
ثمة فارق جوهري بين أن تقف أمام قطعة متحفيه فتقرأ بطاقة تعريفية جامدة تذكر تاريخ صنعها وخامتها ومصدرها، وأن تقف أمام القطعة نفسها فتُروى لك حكاية إنسانية تخص شخصاً واحداً صنعها بيديه، أو حملها معه في رحلة، أو احتفظ بها حتى آخر يوم من حياته. الفارق هنا لا يكمن في المعلومة انما في طبيعة العلاقة التي تُنسج بين الزائر والمعروض؛ فالبيانات التقنية تُخبرنا بـ ”ماذا”، بينما الحكاية الإنسانية تكشف لنا “لمن” و ”لماذا”، وهي غالباً ما يبقَى عالقاً في الذهن بعد أن تُنسى التفاصيل التقنية كلها.
ولعل أبرز مثال على ذلك هو حكاية الفنان السعودي الراحل عبد الحليم رضوي، رائد الفن التشكيلي في المملكة؛ فهو طفل وُلد في حي أجياد بمكة المكرمة عام 1939، وفقد والده وهو في السابعة، فتحمّل أعباء أسرته منذ التاسعة، يعمل بائعاً للحلوى للحجاج والمعتمرين ومرشداً لهم. وفي تلك الظروف الصعبة، رسم وهو على مقاعد الدراسة لوحته “القربة”، فحصدت المركز الأول في مسابقة فنية على مستوى المملكة، ونال عنها جائزة نقدية قدرها 500 ريال؛ كانت هذه اللحظة بالذات نقطة التحول التي دفعته للسفر إلى إيطاليا، حيث أصبح أول فنان سعودي تشكيلي يحصل على تأهيل أكاديمي في الفنون من كلية أوروبية، ثم أول من أقام معرضاً فنياً شخصياً في تاريخ المملكة عام 1965. واليوم، حين يقف الزائر أمام أعمال رضوي المحفوظة في متحفه الخاص بجدة، أو في متاحف عالمية من إسبانيا إلى البرازيل، فإن اللوحات بألوانها الزيتية وزخارفها الحجازية تنسحب إلى الظل، ويتقدم من خلفها طفل يتيم تحدّى الفقر بريشته، وحوّل لوحة واحدة فازت بجائزة متواضعة إلى بداية مشروع فني عظيم امتد لأكثر من أربعين عاماً وأربعة آلاف عمل. وهذا بالضبط ما تفعله الحكاية الإنسانية، فهي تُعيد للقطعة تاريخها الفريد الذي قد يضيع لو رُويت بصفتها المجرّدة «عمل تشكيلي بالألوان الزيتية، 1958».
وهذا التوجه يضع أمناء المتاحف أمام معضلة يومية دقيقة، فليست كل قصة تصلح للعرض، إذ قد تتضمن تفاصيل حساسة تخص أحفاد المالك الأصلي، أو معلومات لم تُوثَّق بدقة كافية، أو روايات متضاربة تناقلتها الأسرة شفهياً دون دليل مادي يدعمها. وهنا يقف القيّم المتحفي بين مطرقة الرغبة في إثراء التجربة الإنسانية للزائر، وسندان الأمانة العلمية التي تمنعه من تحويل حكاية عائلية مرويّة إلى “حقيقة” مطلقة لا تقبل الشك. فالحل الذي تتبناه أغلب المتاحف الجادة هو التمييز الواضح بين ما هو موثّق بدليل (وثيقة، صورة، شهادة معاصرة) وما هو “رواية متناقلة” يُشار إليها بصفتها هذه دون خلط بين الاثنين.
وفي النهاية، فإن القطعة التي تحمل اسماً وحكاية فردية واحدة ليست أقل قيمة علمية من القطعة التي تحمل تاريخاً جماعياً عاماً؛ بل إن الفرد، بقصته الخاصة جداً، يُصبح نافذة يُرى من خلالها التاريخ الكبير بطريقة أكثر دفئاً وقرباً. فحين نعرف اسم من صنع العمل الفني أو امتلكه، يتحول المتحف من أرشيف جامد إلى مساحة حوار متجددة بين الزائر وإنسان عاش، وأحب، وفقد، وتمسّك بشيء واحد ظل يخصه وحده.










































