اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
وردت لفظة الرقيب في القرآن الكريم في غير موضع، مشيرة إلى معنى الحفظ، والاطلاع، فقال الله تعالى - وله المثل الأعلى - : «وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا»، أي أنه جل وعلا الحافظ، المُطلع، الشهيد، الذي لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي يراقب أحوال عباده، وأعمالهم، فيسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويعلم ما تضمره قلوبهم ونياتهم. وقال تعالى: «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»، وهو تذكير من الله – تبارك وتعالى - بعِظَم رقابته على العباد، وأن كل ما يصدر عن الإنسان من قول، أو فعل، هو أمر محفوظ، ومسجل، ومُطَّلَع عليه. ويقول الله تبارك وتعالى في آية أخرى: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا»، وقال تعالى: «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ».
والرَّقَابةُ هي رصد الشيء ومتابعته، والالتزام بمراعاة أحواله، والتحقق من وجوده، وفقاً لمعايير محددة، وضوابط معيّنة، مع اكتشاف الأخطاء، وتصحيحها أحياناً؛ فالرقابة مسلكٌ مهم في حياتنا لا غنى عنه؛ إن الإنسان يبدأ بنفسه حين يراقب تصرفاته، وسلوكياته، ونمط عيشه، ومن ذلك مراقبته لأحواله، ومزاجه، ومراحل تطوره العلمية، أو العملية، أو ما شابهها، ومن هنا كان لكل إنسان طريقته في مراقبة نفسه، ومتابعة ذاته، والنظر إلى وضعه الصحي مثلاً، والتزامه بجدوله اليومي في أكله، وشربه، ونومه، وسائر شؤون حياته. كما يدخل ضمن هذا الحيز من المراقبة مراقبة الإنسان ماله، وبيته، وأهله، وزوجه، وولده. فكل إنسان يمارس الرقابة في حياته.
ويدخل في حكم الرقابة ما فعلته حكومتنا الرشيدة – وفقها الله – في تخصيص قطاع مهم في الدولة، وهو (هيئة الرقابة ومكافحة الفساد: نزاهة) الذي أصبح استراتيجية واضحة في متابعة شؤون الدولة، وتصحيح الأخطاء، ومحاربة الفساد في شتى أنواعه، وتكثيف مبدأ الشفافية، ومتابعة الأداء الصحيح بشكل أكثر دقة وتميّزًا. ويدخل ضمن أشكال الرقابة الحكومية والوطنية مثلاً: تخصيص هيئة (للرقابة النووية والإشعاعية) التي تُعنى بتنظيم الممارسات، والأنشطة، والمرافق النووية والإشعاعية؛ بهدف حماية الإنسان والبيئة من الآثار الضارة للإشعاعات، وبما يتسق مع الالتزامات الدولية، ويعزز التنافسية الاقتصادية الوطنية.
ومن مظاهر الرقابة ما تفعله المطارات في تخصيصها أبراجاً للمراقبة الجوية؛ وذلك بهدف إدارة حركة الطائرات على أرض المطار، وتوجيه الطائرات القادمة والمغادرة إلى مساراتها، وإلى مدارج الهبوط بأمان وانتظام، وإعطاء الأولوية، واقتراح مسارات بديلة في حالات الطوارئ، وكذا الحال في ما تفعله الموانئ من تخصيص أبراج مراقبة لتعزيز أمن الملاحة البحرية، وتنظيم حركة السفن، وإدارة إبحار السفن ورسوّها في المرافئ، وتنظيم تمركزها.
وانطلاقاً من هذه المظاهر الرقابية؛ فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى (رقابة لغوية) يتابع من خلالها (المراقب اللغوي) الاستعمالات اللغوية في مختلف أنواعها، بعيداً عن عمل التدقيق اللغوي المرتبط بموضوعات محددة، أو مجالات معروفة، فالرقابة اللغوية مهمة إذا مورست بشكل صحيح، وطُبّقت تطبيقًا ناجعًا، لاسيما في الخطابات الرسمية، والكتابات اليومية، والإعلانات المتنوعة، فالمراقبة اللغوية تؤدي إلى تعزيز الهوية اللغوية، وتؤكد على أن اللغة العربية مبدأ مهم في الهوية الوطنية السعودية، وهي شكل من أشكال العمق اللغوي للثقافة العربية والإسلامية.
وتأتي أهمية الرقابة اللغوية اليوم في كونها تتوافق مع السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية؛ لذلك فإن اضطلاع كثير من المؤسسات - اللغوية، والعلمية، والثقافية، وغيرها - بوظيفة الرقابة اللغوية، أو المراقب اللغوي، أمر من شأنه أن يحقق كثيراً من النجاح في شتى المجالات.










































