اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ أب ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
في إحدى مراحل دراستي كطالب في المدرسة، كان في فصلي زميل مشاغب طويل اللسان ثابت الجنان يتقافز كالبهلوان. دائماً ما تصدر عنه تصرفات غير متوقعة تجبرك على الضحك. وصادف في يوم امتحان عام أن جاء المعلم مفتشاً يمر على الفصول فرآه يحاول استراق النظر فما كان من المعلم إلا أن صرخ: «إياك أن تحاول أو تفكر في الغش! ستنال عقاباً أليماً وستندم إذا ضبطناك تغش في الامتحان. ضع هذا الكلام حلْقاً في أذنيك!!». فما كان من ذلك الطالب المشاكس إلا أن أجاب بكل برود: «يا أستاذ ولكني رجل ولا يليق بي أن ألبس أخرساً في أذني مثل البنات..».
ضحك الفصل وقتها. وأتذكر ملامح وجه المعلم الذي كاد ينفجر من الغيظ وغادر وهو يقول: «لي تفاهم معك لاحقاً!». بعد مرور تلك السنوات الطويلة أصبح ذلك الطالب المشاغب قيادياً تنفيذياً في منصب مرموق ويحظى بثقة رؤسائه وزملائه ويحقق النجاح تلو النجاح.
قصة هذا الزميل ذكرتني بمحاضرة شيقة للسيدة مارينا زاياتز بعنوان: «المهارة المهنية التي لا يعلمها أحد!»، تحدثت فيها عن زميل مشاغب في فصلها في المرحلة الابتدائية اكتشفت بعد مرور السنوات أنه كان يمتلك تلك المهارة ويطبقها باحترافية. وفي حين أن الفكرة الراسخة لدى الكثيرين أن النجاح المهني يقوم بشكل أساسي على العمل الجاد والالتزام والكفاءة، لكن في حقيقة الأمر أنه رغم أهمية هذه المهارات، فالمهارة الحقيقية التي تعجل النجاح في السيرة المهنية هي القدرة على التواصل الفعال والحضور المميز. بكلمة أخرى أن يعرف الآخرون عنك النقاط التالية: من أنت؟ ماذا تتقن؟ ما القيمة التي تقدمها؟ لماذا يجب أن يثقوا بك؟
وربما صادفنا في حياتنا المهنية أو ربما يكون من بيننا الكثير من الأشخاص الأكفاء الذين يعملون بجد وبصمت، لكنهم يبقون غير معروفين ولا مرئيين داخل مؤسساتهم أو في سوق العمل. والتحدي الأكبر لهؤلاء هو عجزهم عن التعبير عن أفكارهم، وشرح إنجازاتهم وبناء الحضور المهني والتنفيذي. ولعل أهم النصائح التي تناولتها المحاضرة هي:
أولاً: لا يكفي أن تعمل بجد واجتهاد، بل من المهم أن يعرف الآخرون عن عملك الجيد.
ثانياً: الحضور المهني ليس تكبراً أو غروراً ولا يكون بالتفاخر بل عبر تقديم قيمة حقيقية وتجارب واقعية تنفع الناس.
ثالثاً: التواصل مهارة قيادية أساسية ولا تتطلب منصباً رسمياً لتطبيقها وامتلاكها يعني القدرة على صناعة التأثير.
رابعاً: بناء العلامة أو البراند الشخصي يجب أن يكون انعكاساً للواقع وليس صناعة شخصية خيالية مزيفة عن ذاتك.
خامساً: الحضور المهني والظهور الذكي غايته ليس الشهرة والضجيج بل صناعة أثر إيجابي.
بالمقابل، فهنالك على الجانب الآخر أشخاص شغلهم الشاغل هو تلميع الذات وإبراز أنفسهم بشكل فج واختزال إنجازات إداراتهم أو المنظمات التي يعملون بها أو يديرونها في أشخاصهم وحدهم. وتستغرب عندما ترى أشخاصاً في مقابلات أو محاضرات يحاولون تزييف تاريخ المنظومة وكأن كل نجاحات الماضي ومنجزات المستقبل هي من صنيعهم وحدهم في تهميش متعمد للإدارات السابقة وفرق العمل الحالية.
ما أستطيع الجزم به أن هذه الممارسات لها أثر عكسي وسلبي للغاية على من يمارسها. فالشخص الذي لا يحترم فريق عمله وزملاءه ويختزل كل نجاح في نفسه لا يمكن أن يؤتمن على منصبه الحالي ولا على منصب قيادي أكبر. ناهيك عن الانطباع السيء الذي يخلقه عن نفسه في سوق العمل وعلى المنصات المهنية حيث يدمر مسيرته المهنية من حيث لا يحتسب.
من ناحية أخرى، قد يكون من السياسات الجيدة أن تتبنى الإدارات دعم موظفيها في بناء مهارات التواصل والحضور المهني والتنفيذي بشكل احترافي، لأن كل موظف في المنظومة عامل مهم في تسويقها وتعزيز حضورها وبناء البراند المؤسسي الخاص بها.
وباقتصاد، الحضور المهني والظهور الإعلامي والقدرة على التواصل من أهم عوامل النجاح إذا ارتبطت بإنجازات حقيقية وحفظ وتقدير لجهود الفريق ومنظومة العمل في إطار مهني وطرح متزن يركز على نشر المعرفة والخبرات وليس تسويق الذات لخدمة أجندة شخصية.










































