اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
نوقشت السيادة لسنوات بمنطق الملكية: من يملك المصنع أو السحابة أو المنصة أو التقنية؟ بظهور الذكاء الاصطناعي تبين ضعف هذا المنطق. أصبح السؤال الأهم: هل يستوعب الاقتصاد التقنية ويكيّفها لصالحه مستمرا في العمل بها عندما تتغير الظروف الخارجية؟
توضح الأبحاث المنشورة حديثا مفهوم السيادة من منظور النمو الاقتصادي. تبين ورقة عمل لباتريك إمام وجوناثان تمبل نشرها صندوق النقد الدولي أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لن يضيق الفجوة بين الاقتصادات الأكثر ثراء وفقرا دون تدخل. يمكن للتقنية أن تنتشر سريعا بوجود الفجوات الإنتاجية. ليس المهم وجود التقنية، لكن ما يهم هو القدرة الاستيعابية: المهارات والشركات والمؤسسات القادرة على ترجمة المعرفة المتاحة إلى نشاط إنتاجي.
يغير هذا المنظور الطريقة التي نفكر بها في السياسة الصناعية. لا يمكن أن يكون الهدف ببساطة استيراد أحدث التقنيات، ولا يمكن أن يكون تصنيع كل مكون محليا. تخلط كلتا الاستراتيجيتين بين الأدوات والقدرات.
تعطي أحدث سياسة للصين دليلا آخر، حيث أنشأت ما أسمته (العمالقة الصغار). بدلا من التركيز حصريا على عدد من الأبطال الوطنيين الكبار جدا، تعتزم بكين توسيع قاعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة بحيث تكون متخصصة ومبتكرة. يشير هذا التوجه إلى أهمية النظام البيئي في ترسيخ القوة التقنية من موردين وشركات متخصصة ومؤسسات البحوث والمستثمرين والمسارات التقنية المتنافسة.
يعزز هذا المفهوم منطق السيادة. في مناقشات السيادة الرقمية في أوروبا، تميز السياسات بين الاستقلال التقني والمرونة. الاكتفاء الذاتي الكامل ليس واقعيا ولا مرغوبا بالضرورة في الصناعات المترابطة بعمق. ما تهدف إليه السياسة هو إدارة الترابط والاعتمادية بفهم التبعيات الحرجة، والاحتفاظ بالبدائل، مع وجود قدرة على تبديل الموردين بالتحكم في القدرات ذات الحساسية الاقتصادية.
اقتصاديا، نحن أمام اختبار مختلف.. لا ينبغي الحكم على البطل الوطني فقط من حجمه أو إيراداته أو حصته في السوق. يجب الحكم عليه من نمو ما حوله، هل يساهم في خلق موردين، أو يعمق المعرفة محليا؟ هل يسهم في بناء شركات جديدة؟
تكلمت في مقالات سابقة عن الاقتصاد الحدودي الذي ينمو دون الحاجة للملكية الكاملة. عوضا عن الملكية الكاملة لابد للاقتصاد أن يمكن التعلم مما يستورده، وأن يمتلك بيئة تنافسية كافية تنوع خياراته وتحول دونه ودون الاعتمادية القاتلة. مفهوم تعدد الخيارات في بيئة صحية في عصر يضغط الذكاء الاصطناعي نحو التبني السريع، يمكن الاقتصادات أن تتبنى بثقة دون تردد وهي مازالت على مضمار اللحاق بالركب.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لا بد أن نتذكر أن السيادة ليست ملكية في نهاية المطاف؛ إنها إيجاد منظومة من الممكنات والقدرات للتعلم والتكيف حفاظا على فتح الاختيارات المتعددة بحرية كاملة.










































