اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
خالد الحلوة
يُعد مفهوم «الاتصال» نقطة الانطلاق الأساسية في الدراسات الإعلامية. وقد هيمن لفترة طويلة منظور تقليدي ينظر إلى الاتصال بوصفه عملية نقل المعلومات من طرف إلى آخر. وظهر في هذا السياق نموذج الباحث الأمريكي هارولد لازويل الذي قال إن فهم الاتصال يكمن في الإجابة على الأسئلة الخمسة التالية: من؟ يقول ماذا؟ بأي وسيلة؟ لمن؟ وما الأثر؟
ويُعد هذا النموذج من أقدم وأبسط النماذج في الدراسات الإعلامية، حيث حدد عملية الاتصال في خمسة مكونات هي: المصدر والرسالة والوسيلة والجمهور والأثر. وقد أسهم هذا النموذج في توجيه بحوث التأثير الإعلامي منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم. ولكنه تعرض للعديد من الانتقادات، من أهمها أنه يفترض أن الاتصال عملية خطية أحادية الاتجاه تبدأ من المرسل وتنتهي عند المستقبل، ويتجاهل الطبيعة التفاعلية للاتصال، خاصة في السياقات الاجتماعية والثقافية المعقدة.
بالمقابل، رأى الباحث والناقد الأمريكي جيمس كيري أن هذا النموذج التقليدي هو نموذج خطي ارتبط بقياس تأثير الدعاية وتأثير الإعلانات والتسويق، حيث يُنظر للاتصال بوصفه عملية نقل للرسائل من مرسل إلى مستقبل، بهدف تحقيق تأثير محدد يمكن قياسه. وقد ساد هذا التصور في بدايات بحوث الإعلام، خاصة مع الاهتمام بالدعاية السياسية والإعلان التجاري. لذلك، قدم كيري بديلاً نظرياً يتمثل في «النموذج الثقافي»، الذي ينظر إلى الاتصال باعتباره «ممارسة رمزية» تهدف إلى إنتاج المعاني المشتركة وتعزيز الروابط الاجتماعية، لا مجرد نقل المعلومات. في نموذج كيري الثقافي، يصبح الاتصال عملية مستمرة لإعادة بناء الواقع الاجتماعي من خلال المشاركة في الرموز والقيم، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً من التركيز على التأثير الى التركيز على الثقافة والمعنى.
يعود «النموذج الثقافي» إلى أعمال جيمس كيري في سبعينات القرن العشرين، خاصة في مقاله الشهير بعنوان «المنظور الثقافي للاتصال» الذي نُشر عام 1975م. نشأ هذا النموذج في سياق نقدي للمنظور التقليدي في بحوث الاتصال، وهو المنظور الذي كان يركز على نقل المعلومات والتأثير الخطي من مرسل إلى مستقبل. وقد تأثر كيري بالدراسات الثقافية البريطانية وبعلم الأنثروبولوجيا، فرأى أن المفهوم التقليدي لا يفسر الدور الأعمق للاتصال في الحياة الاجتماعية.
يقوم هذا النموذج الثقافي البديل على فكرة أن الاتصال يشبه الطقوس الاجتماعية مثل التقاليد والأعراف أو العادات اليومية، حيث لا يكون الهدف الأساسي هو نقل معلومات جديدة، بل تأكيد القيم المشتركة وإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي. في هذا الإطار، تصبح قراءة الصحف أو مشاهدة الأخبار فعلاً يومياً يعزز الانتماء الثقافي والارتباط بمجتمع معين، وليس مجرد تلقي أخبار. ويركز هذا النموذج على عدة مفاهيم اجتماعية وثقافية، مثل المشاركة، والتمثيل الرمزي، وبناء المعنى الجماعي، ويرى أن وسائل الإعلام لا تنقل الواقع كما هو، بل تساهم في تشكيله من خلال السرديات والرموز. بهذا المعنى، يتحول الاتصال من كونه أداة تقنية إلى كونه ممارسة ثقافية تعكس بنية المجتمع وقيمه.
أخيراً، تكمن أهمية النموذج الثقافي اليوم في قدرته على تفسير طبيعة الاتصال في البيئة الرقمية، حيث أصبحت المنصات الاجتماعية فضاءات للتفاعل الرمزي المستمر أكثر من كونها مجرد قنوات لنقل المعلومات. فالإعجابات، والمشاركات، والتعليقات، كلها ممارسات اجتماعية روتينية تعبر عن الانتماء والهوية وتعيد إنتاج المعاني الاجتماعية بشكل يومي. لذلك لا يزال تصور جيمس كيري حاضراً في الدراسات الإعلامية المعاصرة، خاصة في مجال الاتصال الرقمي، لأنه يوفر إطاراً نظرياً لفهم كيف يساهم الاتصال بأشكاله المتعددة في بناء الواقع الاجتماعي.










































