اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أب ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
تنساب الأحداث في منطقتنا منذ عقود طويلة وسط أمواج متلاطمة من الأزمات المتلاحقة والتحديات الإقليمية والصراعات الممتدة التي لم تتوقف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبينما تتشكل بين الحين والآخر أزمات جديدة تهدف إلى إرباك المنطقة وتهديد سلامة شعوبها وممراتها الحيوية، تجد الشعوب نفسها أمام حاجة ملحة للاستناد على القوة الذاتية وبناء معادلات أمنية وسياسية واقتصادية حديثة ترتكز على إرادة الأقطار الفاعلة، ومن هذا المنطلق جاء التوقيع على اتفاقية استراتيجية تجمع ثلاث قوى كبرى ليعبر عن لحظة فارقة ودقيقة تأتي في وقتها الحقيقي لتعيد ترتيب الأوراق وتصحيح الموازين الغائبة منذ زمن بعيد.
يقوم هذا التكتل الاستراتيجي الجديد في سياق معنى الدرع وغاية الردع ويتمثل في ثلاث ركائز كبرى تمتلك حجما ووزنا ثقيلا في المعادلة الدولية والسياسية، فتأتي القوة الاقتصادية والسياسية المركزية في قلب هذا الحلف لتمنحه ثقلا كبيرا ونفوذا خادما للتنمية والاستقرار، وإلى جانبها تتكامل القدرة الصناعية والعسكرية المتقدمة من خلال التفوق في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الحديثة والطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، بينما تكتمل هذه المنظومة بالاعتماد على قوة بشرية هائلة وقدرة عسكرية متمكنة تمتلك قوة نووية نوعية رادعة.. هذا المزيج المتكامل بين المال والسياسة والتصنيع الدفاعي والردع العسكري يشكل حائط صد متماسكا يحمي المقدرات ويصون أمن الجميع.
إن الهدف الأساسي من تقوية هذه الجبهة يتلخص في إيجاد ردع متكامل قائم على السلام والتوازن، فهي ليست حلفا هجوميا ولا تستهدف أحدا بعينه ولا تحمل أطماعا توسعية أو أغراضا غير مشروعة، بل تنبع من رؤية قيادات معتدلة تسعى إلى استتباب الأمن وحماية المكاسب والتصدي لأي تهديدات قائمة، وإن وجود مثل هذا الحلف المتين يعيد رسم حدود الحركة أمام القوى المؤثرة والتنظيمات غير الرسمية، مما يدفع مختلف الأطراف إلى إعادة حساباتها بدقة والتفكير مليا قبل اتخاذ أي خطوات قد تزعزع الاستقرار أو تمس سلامة الإقليم.
إن أبعاد هذا الاتفاق تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، لتلمس التفاصيل اليومية لحياة الشعوب واقتصاداتها، فالمنافع المتبادلة تبدو جلية من خلال تبادل الخبرات الفنية وتوطين التقنيات الحديثة، إضافة إلى تعزيز الشراء الاستراتيجي وتوسيع الاستثمارات المتبادلة بين الدول الثلاث، إن هذه الشراكة تمنح الاقتصاد المحلي في كل دولة قوة دفع جديدة، وتفتح مجالات واسعة للتكامل الإنتاجي والاستفادة من القدرات البشرية والتصنيعية المتاحة لدى كل طرف، مما يحول التعاون العسكري إلى محرك اقتصادي شامل يحقق الفائدة للجميع ويضمن الاستدامة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن حماية الطرق البحرية والممرات الدولية وشبكات إمداد الطاقة وسلاسل التجارة العالمية، التي تمر عبر هذه الجغرافيا الممتدة، يمثل مصلحة مشتركة للشركاء وللعالم أجمع، فالعالم اليوم يتغذى على تدفق التجارة وحركة الملاحة الآمنة من هذه المنطقة، وأي اضطراب في هذه الشرايين الحيوية ينعكس سلبيا على الأسواق الدولية بأكملها. وبالتالي فإن وجود جبهة إقليمية متماسكة تحمي هذه الطرق وتحافظ على انسيابية الحركة التجارية يخدم الاستقرار الاقتصادي العالمي ويمنع حدوث اختناقات في سلاسل الإمداد، مما يعزز موقع المنطقة في قلب الاقتصاد الدولي.
كذلك يفتح هذا التحالف آفاقا واسعة لترسيخ الدبلوماسية المرنة وتفعيل الحوار السياسي المتزن. فوجود علاقات ممتدة وحدود جغرافية واسعة بين بعض أطراف هذا التكتل ودول الجوار يتيح قنوات تواصل فعال يسهم في حصر الأزمات ومنع تصاعدها. فالغاية ليست فتح جبهات للصراع أو توجيه رسالات تهديد، بل إرساء بيئة آمنة تستفيد منها كافة الشعوب بغض النظر عن تنوعها أو عقائدها، فالأمن والاستقرار حق مكفول للجميع وركيزة أساسية للتنمية والازدهار.
إن الشواهد اليوم تؤكد أن هذا التحالف ليس مجرد اتفاقية عابرة، بل هو تحول جوهري في كيفية إدارة المشهد الإقليمي بالاعتماد على القدرات الذاتية والشراكة المتكافئة. وهو يبعث برسالة قوية لكل مناور يحاول المساس بالمقدرات الوطنية، مفادها أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن المنطقة باتت تمتلك جبهة صلبة وقوة عقلانية قادرة على حماية أرضها ورعاية مصالحها ونشر السلام المستدام في أرجائها.










































