اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
في هذا الصباح الاستثنائي من يوم الاثنين، الرابع والعشرين من أغسطس 2026، لا أكتب مقالًا أسبوعيًا مثل كل أسبوع طيلة سنوات، ولا أقف أمام عددٍ جديد من أعداد 'الرياض' المطبوعة كما اعتدت طيلة حياتي؛ بل أقف أمام لحظةٍ يطوي فيها الورق صفحةً من تاريخ الصحافة السعودية المطبوعة، بعد مسيرةٍ امتدت لأكثر من ستة عقود، كانت خلالها هذه الصحيفة جزءًا من صباح الوطن وذاكرته وصوته.
ويشاء الله أن يتزامن هذا العدد الورقي الأخير من 'الرياض' مع موعد مقالتي الأسبوعية، في مصادفةٍ لها في النفس وقعٌ خاص. إذ يبدو أن الورق الذي حمل كلماتي أعوامًا طويلة أراد أن يمنحني فرصة الوداع، وأن يفسح للحبر مساحةً أخيرة قبل أن تسكت المطابع، وتمضي الصحيفة إلى فضائها الرقمي الرحب.
لم تكن 'الرياض'، في تاريخها الطويل، رزمةً من الأوراق تُطبع في آخر الليل، ثم تُوزع مع خيوط الفجر على البيوت والمكاتب والمقاهي ونقاط البيع. كانت أكثر من ذلك بكثير. كانت عينًا مفتوحة على تحولات الوطن، وذاكرةً يومية لمسيرة تنميةٍ لم تتوقف، وسجلًا يدوّن، يومًا بعد آخر، كيف كانت المملكة تبني حاضرها وتستشرف غدها. سارت 'الرياض' منذ بداياتها، بمحاذاة خطوات الوطن توثّق وثباته ونهضته في كل المراحل حتى يومنا هذا مع رؤية السعودية 2030، التي وضعت الإنسان السعودي في قلب معادلة التنمية، شريكًا في صنعها وقائدًا لمساراتها الجديدة.
وحين أقلّب اليوم صفحات هذا العدد الأخير، تختلط أمامي ذاكرة وطن بذاكرتي الشخصية. تعود بي الأيام إلى فتىً في ميعة الصبا كان يملأ دفاتره المدرسية بخربشاتٍ يظنها كتابة، ويتطلّع بشغفٍ لا يعرف الصبر إلى ذلك اليوم الذي رأى فيه اسمه مطبوعًا على جريدة الرياض. ثم تديرني الذكريات إلى عام 2001، حين صافح مقالي المنتظم الأول ورق 'الرياض'. يومها خرج الحلم من دفاتر الصبا إلى صفحات الجريدة، ومنذ تلك اللحظة صار الحبر رفيقًا للكلمة، وصارت الصحيفة جزءًا من رحلتي. كبرتُ، وكبرتْ معي الحروف والأسئلة، واتسع الوطن من حولنا بمشروعاته وطموحاته وتحولاته.
واليوم، ونحن نشهد انتقال 'الرياض' الكامل إلى الفضاء الرقمي، ندرك أن ما يحدث ليس انقطاعًا عن مسيرة الصحيفة، بل امتدادٌ طبيعي لها. فالوطن الذي جعل التحول الرقمي ركنًا من أركان حاضره ومستقبله، لا يمكن لصحافته أن تقف خارج حركة الزمن. لكن العقل، مهما تفهّم منطق التطور، لا يستطيع أن يأمر القلب بالصمت.
يا جريدة 'الرياض' التي عانقت أحلامنا، ويا مطابع اليمامة التي سهرت لياليها كي يصل إلينا الخبر مع أول الصباح، لن يكون توقف نسختك الورقية غيابًا، بقدر ما سيكون تحولًا في هيبة الحضور. سأحتفظ بهذا العدد (المطبوع الأخير) كما يُحتفظ بأثرٍ عزيز من زمنٍ جميل. سأمرر يدي على صفحاته ببطء، وأتأمل أسماء زملاء رافقوا هذه المسيرة، وأستنشق رائحة الحبر للمرة الأخيرة، لا حزنًا على نهاية بقدر ما هو وفاءٌ لبداية طالت وامتدت حتى أصبحت جزءًا من العمر.
قد يهدأ هدير المطابع، وقد تصبح النسخ الورقية بعد أعوام مجرد شواهد محفوظة في المكتبات والمتاحف. لكن 'الرياض' لن تغادر المشهد، لأنها لم تكن يومًا صفحات من ورق، بل شريكة تنمية وصانعة وعي. ستواصل الرياض حضورها في الفضاء الرقمي، شريكة وشاهدةً كما كانت دائمًا على وطنٍ لا يكف عن التقدم، مدونةً لتحولاته، وحافظةً لذاكرته.
سكبت المطبعة اليوم آخر قطرات الحبر على صفحات 'الرياض'، ولكن الذي سيصمت هو صوت الآلة، لا صوت الكلمة. فالكلمة الصادقة لا تحتاج إلى ورق كي تعيش، كما أن الذاكرة لا تحتاج إلى مطبعة كي تبقى. فالصحف الكبرى لا تقاس بحضور وغياب النسخ التي خرجت من مطابعها، بل بمقدار ما تركته في وجدان مجتمعها، وبما أودعته في ذاكرة أجياله.
جريدتي 'الرياض': سأتوقف هنا عن الكلام والستار يُسدل مع آخر عددٍ ورقي، ولن أقول وداعًا، بل سأقف على ناصية العمر وأقول: وداعًا للورق الذي احتضن حروفنا وذكرياتنا، وأهلًا بفصلٍ جديد من عمر 'الرياض' صاحبة الكلمة التي صدقت مع وطنها، فجعلت الزمن نفسه أحد أوفى قرّائها.
جفّت الأقلام، وما جفّ مدادُ الذاكرة.










































