اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
من أبرز خصائص الإعلام الرياضي المعاصر أنه لم يعد قائمًا على الحياد الخالص كما يُتصور، بل أصبح في أحيان كثيرة محكومًا باعتبارات السوق والجماهير والاستقطاب، فبعض المنصات تبحث عن رفع نسب المشاهدة والتفاعل حتى لو كان ذلك عبر تضخيم الجدل، أو استدعاء الخطابات الحادة، أو إثارة الانقسامات الجماهيرية..
لم يعد الإعلام الرياضي مجرد مساحة لنقل نتائج المباريات أو متابعة أخبار الأندية والنجوم، بل تحول إلى بيئة اجتماعية وثقافية واسعة التأثير، تصنع المزاج العام، وتعيد تشكيل التصورات، وتؤثر في طبيعة العلاقات بين الجماهير والرياضة والمجتمع. فالمتلقي اليوم لا يستهلك المحتوى الرياضي بوصفها معلومة عابرة، وإنما يتفاعل معها وجدانيًا ونفسيًا وسلوكيًا، حتى أصبحت بعض البرامج والمنصات قادرة على صناعة القناعات، وتوجيه الانفعالات، وإنتاج أنماط جديدة من الانتماء والتعصب والتأثير.
ويتميز الخطاب الإعلامي الرياضي لدينا بخصوصية مختلفة عن كثير من الخطابات الأخرى، لأنه يعتمد على الإثارة والتفاعل والسرعة، ويتغذى على المشاعر الجماهيرية المتقلبة. ولهذا فإن تأثيره يتجاوز حدود الرياضة ذاتها ليصل إلى تشكيل الرأي العام، وصناعة النجومية، وتحديد صورة المؤسسات والأندية والأشخاص. كما أن قوة هذا الخطاب لا تكمن فقط فيما يقوله، بل في الطريقة التي يُقال بها، وفي حجم التكرار، والزوايا التي يتم التركيز عليها، والرموز التي يجري تضخيمها أو تهميشها.. لأن الأمور موكلة بصانع المحتوى ومنتجه ومقدمه واتجهاته.
ومن أبرز خصائص الإعلام الرياضي المعاصر أنه لم يعد قائمًا على الحياد الخالص كما يُتصور، بل أصبح في أحيان كثيرة محكومًا باعتبارات السوق والجماهير والاستقطاب.. فبعض المنصات تبحث عن رفع نسب المشاهدة والتفاعل حتى لو كان ذلك عبر تضخيم الجدل، أو استدعاء الخطابات الحادة، أو إثارة الانقسامات الجماهيرية. ولهذا نلاحظ أحيانًا أن النقاشات الرياضية تتحول من تحليل فني هادئ إلى صراع عاطفي محتدم، تُستخدم فيه اللغة بوصفها أداة تعبئة أكثر من كونها وسيلة تفسير وفهم.
كما أن الإعلام الرياضي بات يرتبط بصورة وثيقة بالقوة الرمزية؛ إذ يستطيع منح نادٍ ما صورة 'الفريق النموذجي'، أو تقديم لاعب باعتباره 'المنقذ'، أو رسم صورة ذهنية سلبية عن منافس معين. وهذه القوة الرمزية تتضاعف عندما تتكرر الرسائل نفسها عبر أكثر من منصة، فيتشكل لدى الجمهور شعور أن ما يُقال حقيقة مطلقة، بينما قد يكون مجرد بناء إعلامي متكرر جرى تكريسه مع الزمن.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الإعلام الرياضي الحديث لم يعد نشاطًا منفصلًا عن الاقتصاد والاستثمار. فهناك مصالح تسويقية وإعلانية ضخمة تتحكم في جزء من المحتوى، وتؤثر في حجم الحضور والاهتمام، بل وحتى في طريقة صناعة القصص الرياضية نفسها. ولهذا أصبح بعض الخطاب الرياضي أقرب إلى 'الصناعة الترفيهية' التي تبحث عن الإثارة الدائمة، لأن الهدوء لا يحقق الانتشار، بينما الجدل والانقسام يصنعان التفاعل السريع.
وفي ظل هذا الواقع، تتعاظم الحاجة إلى وعي إعلامي رياضي أكثر نضجًا واتزانًا، فالجمهور الواعي لا ينجرف خلف كل طرح انفعالي، ولا يتعامل مع البرامج الرياضية باعتبارها مصادر مطلقة للحقيقة، بل يقرأ المشهد بعقل نقدي، ويدرك أن كثيرًا مما يُقال قد تحكمه الميول أو المصالح أو الرغبة في التأثير الجماهيري. كما أن الوعي الحقيقي يجعل المتلقي قادرًا على التمييز بين التحليل المهني، وبين الخطاب الذي يهدف إلى تعبئة العواطف وصناعة الاحتقان.
ومن المهم كذلك إدراك أن الرياضة في أصلها مساحة للتنافس والمتعة والقيم الإنسانية، وليست ميدانًا لإنتاج الكراهية والانقسام الاجتماعي. ولهذا فإن الإعلام الرياضي يتحمل مسؤولية أخلاقية وثقافية كبيرة، لأنه قادر على تهدئة المشهد كما يستطيع إشعاله، وقادر على تعزيز الروح الرياضية كما يستطيع تكريس التعصب والتوتر.
كما أن تطور المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي ضاعف من سرعة انتشار الخطاب الرياضي وتأثيره. فاليوم يستطيع مقطع قصير أو تعليق انفعالي أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، وأن يصنع موجات من الجدل والتأثير تفوق أحيانًا تأثير المؤسسات الإعلامية التقليدية. وهذا التحول فرض واقعًا جديدًا أصبحت فيه الجماهير نفسها جزءًا من صناعة الخطاب، لا مجرد متلقٍ له.
وفي النهاية، فإن الإعلام الرياضي ليس مجرد مساحة للحديث عن كرة القدم أو البطولات، بل هو قوة ثقافية واجتماعية مؤثرة، تشارك في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الصور الذهنية، وتوجيه الانفعالات العامة.. وكلما ارتفع مستوى المهنية والوعي والمسؤولية داخل هذا المجال، أصبحت الرياضة أكثر قدرة على أداء دورها الحقيقي بوصفها وسيلة للتقارب والمتعة والقيم، لا مجرد ساحة للضجيج والانقسام والانفعال المؤقت.. المهم هل يعي المسؤول وصاحب القرار ذلك؟










































