اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
ياسر السند *
لم تفقد الحقيقة قيمتها، لكن امتلاكها وحده لم يعد كافيًا لمنح صاحبها سلطة تشكيل الصورة التي تستقر في أذهان الناس. ففي بيئة يشتد فيها التنافس على التأثير في الوعي، تتقدم إلى جوار الحقيقة القدرة على تحديد العدسة التي ستُرى من خلالها، وفرض الإطار الذي ستُقرأ داخله، وصياغة المعنى الذي سيحكم تلقّي الناس لكل ما يأتي بعده.
حين كانت صناعة الخبر محكومة بمواعيد معلومة ومسارات تحريرية أكثر وضوحًا، كانت الوزارات والشركات وحتى الدول تملك متسعًا للتحقق، وصياغة موقفها، واختيار لحظة ظهورها. كانت الصحيفة تنتظر صباحها، والنشرة موعدها، والمؤتمر ترتيباته. أما اليوم، فقد تظل الجهة تستكمل الصورة، فيما تسبقها إلى وعي الجمهور رواية أولى، ويمنحها التكرار صلابة تجعلها أكثر مقاومة للتصحيح.
وحين يصل التوضيح، لا يصل إلى جمهور ينتظر، وإنما إلى وعي سبق أن تشكل. وهنا يتغير جوهر المعركة الاتصالية؛ فالسباق لم يعد على نشر المعلومة وحدها، بل على من يمنحها تفسيرها الأول. فالرواية التي تسبق تستحوذ على الانتباه، وترسم إطار النقاش، وتوجّه مساراته وتساؤلاته.
بدت المنصات الرقمية، في أول أمرها، امتدادًا أسرع لمسارات النشر المعروفة، إذ أتاحت مساحة أوسع، ووصولًا مباشرًا، وقدرة غير مسبوقة على مخاطبة الجمهور. غير أن نضجها كشف أنها ليست أوعية محايدة تنقل ما يوضع فيها كما هو. فخلف واجهاتها تعمل منظومات تختار ما يظهر، وتحدد ترتيبه، وتقرر لمن يصل، وما الذي يستحق أن يبقى في التداول. لم يعد الناشر وحده يرسم طريق الرسالة إلى الناس. فقد دخلت بينهما الخوارزميات التي تعمل خلف المنصات، وأعادت تشكيل الطريق نفسه.
والخوارزمية ليست غرفة أخبار تكافئ السبق، ولا محكمة تفصل في صحة ما يُعرض أمامها. إنها تستدل على الاهتمام بمدة التوقف عند المحتوى، والنقر، والمشاهدة، والمشاركة، والتعليق، وسرعة التفاعل. وقد تكون العبارة دقيقة أو ملتبسة، رصينة أو مستفزة، غير أن كثافة الاستجابة تمنحها فرصة أوسع للظهور. وهكذا قد يتجاوز أثر الخوارزمية توزيع المحتوى إلى إعادة تشكيل وزنه في الوعي العام. فالأكثر إثارة يصبح الأكثر حضورًا، ويتحول الحضور المتكرر إلى قرينة ضمنية على الأهمية.
وقد تعيد الخوارزمية إلى واجهة المشهد مادة ظُن أنها غادرته منذ زمن، لأن اقتطاعًا جديدًا منحها زاوية مختلفة، أو لأن سياقًا لاحقًا حمّلها دلالة لم تكن حاضرة عند نشرها الأول. عندئذ لا يعود الجمهور أمام المادة ذاتها، بل أمام معنى جديد أنتجته لحظة التداول. ومن هنا تصبح صياغة الرسالة نصف المهمة، أما نصفها الآخر فاستشراف مسارها بعد أن تغادر يد صاحبها، وما قد يطرأ على معناها بفعل الاقتطاع والسياق.
لهذا غدت قراءة البيئة الاتصالية ميزة استراتيجية قائمة بذاتها، لا يحسنها إلا من يجمع بين رصد سلوك المنصات، وفهم ما يحرك الجمهور، والتمييز بين موجة عابرة وتحول يستحق أن يُبنى عليه قرار. وهو لا يملك الخوارزمية، لكنه يفهم كيف تتشكل موجات الاهتمام، ومتى يمكن الإفادة منها، ومتى يصبح الانسياق خلفها خسارة للموقع والمعنى.
وهنا يتقدم الاتصال المؤسسي والإعلامي من نهاية مسار القرار إلى بدايته، فلا ينتظر اكتمال الحدث ليشرح ما جرى أو يصدر بيانًا بعد استقرار الرواية الأولى. يقرأ البيئة قبل اتخاذ القرار، ويختبر كيف ستُفهم الرسالة وتُقتطع وتُؤوّل، ويستشرف الأسئلة التي ستنشأ حولها، ويحدد متى يكون الصمت حكمة، ومتى يصبح تأخر التفسير تنازلًا عن حق تعريف المشهد.
عند هذا الحد، تتضح البنية الاقتصادية للمشهد. فالانتباه مورد نادر، والانطباع أصل تتراكم قيمته أو تتآكل، والقدرة على تشكيل الوعي رأس مال عوائده الثقة والمكانة والنفوذ. للحضور كلفة، وللغياب كلفة، وللتأخر في تعريف المشهد كلفة مضاعفة، إذ تضطر الجهة إلى تفكيك ما استقر قبل أن تبني ما تريد. وفي هذه السوق تتشكل الصورة، ويُسعّر الحضور بقدر أثره، وتُدار المخاطر قبل أن تتحول الانطباعات إلى قناعات. ذلك هو اقتصاد الإدراك.
ترمب... اللعب على حافة الخوارزمية
يحضر دونالد ترمب هنا بوصفه مثالًا اتصاليًا، لا موضوعًا سياسيًا. أترك الحكم على مواقفه خارج هذه القراءة، وأتجه إلى منطق هذا الحضور في بيئة المنصات والخوارزميات. فالعبارة الحادة أو المستفزة قد تتحول إلى مادة تتسابق دوائر التأييد والاعتراض على توزيعها.
فما يراه بعضهم شطحة عابرة، أو مبالغة، أو خطأ لا يستحق الوقوف عنده، قد يؤدي وظيفة شديدة الفاعلية داخل البيئة الخوارزمية. فالعبارة التي تثير الدهشة أو الغضب سهلة الاقتطاع، سريعة الانتقال، عصية على التجاهل. ينشرها المؤيد دفاعًا، ويعيدها الخصم هجومًا، فيمنحها من حيث لا يقصد قوة توزيع إضافية. وقد لا تحتاج العبارة إلى إقناع الجميع. يكفي أحيانًا أن تجعل تجاهلها مكلفًا. ولا يثبت ذلك أن كل عبارة صادمة صيغت وفق خطة، أو أن ما يبدو خطأً كان مقصودًا. فبعض العبارات التي تخسر في ميزان الدقة قد تربح في ميزان الانتشار، ويبقى الفارق حاسمًا بين لفت النظر وبناء المصداقية.
لكن فهم منطق الخوارزمية لا يمنح صاحبه سلطة على المنصة. وقد اختبر ترمب هذا الفارق عمليًا حين قيّدت منصة تويتر («إكس» حاليًا) تداول بعض منشوراته، ثم علّقت حسابه مؤقتًا قبل إيقافه نهائيًا. وفي أعقاب ذلك أطلق عبر شركته منصة «تروث سوشال»، التي قُدّمت رسميًا بوصفها مساحة لحرية التعبير في مواجهة رقابة شركات التقنية الكبرى. أما القراءة الاتصالية الأهم فتتعلق بالطريق إلى الجمهور. وهنا تتجلى لعنة الخوارزميات في أن تملك جمهورًا واسعًا، فيما يبقى الوصول إليه خاضعًا لقواعد منصة أخرى. فامتلاك منصة خاصة لا يخرج صاحبها من منطق الخوارزميات، لكنه يقرّبه من غرفة التحكم.
في البيئة الرقمية، لا ينفرد طرف واحد بصناعة الرأي العام. تبدأ الرسالة من صاحبها، وتتولى منظومة الاتصال المؤسسي إحكام إطارها وتوقيتها وسياقها، ويحدد اختيار الوسيلة مقدار ما يصل من معناها، ثم تعيد الخوارزمية ترتيب فرص ظهورها، ويكمل الجمهور توزيعها مؤيدًا أو معترضًا. هذه هي هندسة الرأي العام في صورتها الجديدة، والمقصود بها تنظيم حضور الحقيقة وحمايتها من أن تصل مبتورة أو متأخرة، لا التلاعب أو صناعة واقع بديل. ومن هنا يظهر الفارق بين إدارة الانتشار وإدارة الإدراك. تعرف الأولى كيف تتحرك الرسالة داخل المنصات، وتبدأ الثانية من وضوح المشروع وقدرة القيادة على تثبيت إطار المعنى قبل أن تتولى المنصات اقتطاعه وتوزيعه. عندئذ يصبح الانتشار لاحقًا للمعنى، لا سابقًا له.
ويقدم حضور صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-نموذجًا لحضور اتصالي يستمد وزنه من المشروع الذي يعبّر عنه. فلكل مرحلة لغتها، ولكل مقام صيغته؛ ويغدو اختيار الوسيلة جزءًا من دقة الرسالة، حين تتناسب مع ما تحمله من معنى وما تستند إليه من نتائج.
عند مرور خمسة أعوام على إطلاق رؤية السعودية 2030، أتاح اللقاء التلفزيوني في أبريل 2021 مساحة لشرح منطلقات التحول، واستعراض ما تحقق، ووضع القرارات والأرقام في سياقها الأشمل. وبعد عقد من إطلاق الرؤية، جاءت الحصيلة في صيغة مختلفة؛ ففي الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه سموه نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- أمام مجلس الشورى في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة، في أواخر سبتمبر الماضي، حضرت مؤشرات الأداء لبرامج واستراتيجيات الرؤية، وقد حققت 93% من مستهدفاتها.
وبين المحطتين تطورت صيغة تقديم الرسالة بما يلائم المرحلة ومقامها. أتاح الحوار شرح الرؤية وتفصيل مسارها، فيما قدّم الخطاب السيادي حصيلة عقد من العمل بعبارات مركزة. وصلت الرسالة إلى المنصات مكتملة المعنى، فالتقط التداول الرقمي أبرز ما حملته من أرقام ورسائل، ومضت بها الخوارزميات إلى دوائر أبعد. هنا يتحدد الفرق بين رسالة تلاحق ما تكافئه الخوارزمية لتنال حضورها، ورسالة تستمد حضورها من مشروع ونتائج يمنحانها وزنها؛ فالخوارزمية توسّع مدى الرسالة، أما قيمتها فيحددها ما تحمله من واقع.
وفي هذا المستوى، تُقاس القوة الاتصالية بقدرة الرسالة على توجيه النقاش، وبالمعنى الذي يبقى بعد انقضاء لحظة الظهور. وهي قدرة تتطلب اتساق القرار والرسالة، وفهم السياق الذي يتلقاهما فيه الجمهور. هنا يتقدم الاتصال من إدارة الانتباه إلى قيادة الإدراك، ومن كسب جولة في التداول إلى التأثير في الإطار الذي تدور داخله الجولات التالية.
السيادة على المعنى تبدأ من صون الصلة بين حقيقة أداء الجهة وما يستقر عنه في وعي الناس. وتقوم على تقديم الوقائع في سياقها، ووضوح الرسالة ومصداقيتها، وإتاحة ما يحتاج إليه الجمهور لفهمها والحكم عليها.
ولهذا يصبح تقدير الأثر الاتصالي جزءًا من مسؤولية القيادات العليا عند صناعة القرار، وتتولى منظومة الاتصال المؤسسي والإعلامي صياغة الرسالة، وتقديم سياقها، ومتابعة ما يطرأ على معناها في التداول. فجودة الأداء وحدها لا تضمن أن يُفهم على حقيقته، وكل تأخر في تقديم السياق يرفع تكلفة استعادته، وكل حضور لا تحكمه رؤية قد يمنح المنصة محتوى أكثر مما يمنح صاحبه مكانة.
في اقتصاد الإدراك، قد تمنح الخوارزمية وصولًا، ويمنح الجدل نفوذًا عابرًا؛ أما المكانة فتتراكم حين يلتقي وضوح المعنى بمصداقية الأداء، ويصبح الحضور رصيدًا من الفهم والثقة يتجاوز لحظة التفاعل.
نعم، «أن تكون الحقيقة معك لا يعني بالضرورة أن تكسب القضية». ولكن كسب القضية رهنٌ بإحكام حضور الحقيقة، من اختيار توقيتها وصيغة تقديمها إلى استقرار معناها في وعي الناس.
تلك هي السيادة على المعنى.
وبعد عقد من إطلاق الرؤية، جاءت الحصيلة في صيغة مختلفة؛ ففي الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه سموه نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- أمام مجلس الشورى في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة، في أواخر سبتمبر الماضي، حضرت مؤشرات الأداء لبرامج واستراتيجيات الرؤية، وقد حققت 93% من مستهدفاتها.










































