اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١ شباط ٢٠٢٦
المياه تكشف عن مواقع أثرية مدفونة قرب 'نيابوليس' ومواقع أخرى وحرس الحدود يتدخل لحمايتها
حين كشرت الفيضانات في تونس عن أنيابها وضربت البلاد مخلفة قتلى ودمار هائل، حاولت التخفيف من آلامها بكشفها معالم أثرية كانت مطمورة تحت رمال الشواطئ فتحت مرة أخرى ملف الآثار وعبء صيانتها في بلد يعد متحفاً مفتوحاً.
تقلبات جوية عرفتها تونس عموماً ومحافظة نابل شمال شرقي البلاد تحديداً، أدت إلى رفع منسوب المياه بالأودية وفيضان بعضها وارتفاع أمواج البحر إلى 12 متراً، وفق معطيات المعهد الوطني للرصد الجوي.
أما المواقع الأثرية الجديدة التي ظهرت فهي قريبة من الموقع الأثري 'نيابوليس'، وفي منطقة شاطئ سيدي المحرصي، والمناطق المجاورة للموقع الأثري البوني كركوان في حمام الغزاز بمنطقتي دمنة ووادي القصب الموجودة في نابل.
يقول المسؤول في المعهد الوطني للتراث والمتخصص في الآثار المائية والساحلية أحمد قضوم، إن الأمواج كشفت في جهة شاطئ سيدي المحرصي في محافظة نابل عن مجموعة من الجدران التي يمكن أن تكون في علاقة بمنازل أو حمامات تعود 'للفترة القديمة'، مؤكداً أنه لا يمكن تحديد الفترة التي تعود لها هذه الجدران إلا بعد إنجاز أعمال توثيق ودراسة معمقة.
أما بخصوص الآثار التي كشفت عنها الأمواج في شاطئ نيابوليس بسواحل الشمال الشرقي فيرجح قضوم أنها خزانات مياه كانت تستغل لتوفير الماء لمصانع تمليح السمك أو لتزويد السكان في النسيج العمراني القديم لنيابوليس، مشيراً إلى أنه 'غير مستبعد أن تكون أحواضاً لتمليح الأسماك على غرار الأحواض الموجودة بالموقع الأثري نيابوليس كمصنع تمليح الأسماك لإنتاج مادة الغاروم'.
وأوضح أن 'مصالح المعهد الوطني للتراث تولت خلال هذه الأيام إنجاز عمليات جرد للمواقع الساحلية التي ظهرت بعد هيجان البحر في الفترة الأخيرة بخاصة في ولايتي نابل والمهدية على سواحل تونس الشرقية'، مؤكداً أن 'عديد المواقع معروفة ومسجلة لدى الهياكل المسؤولة، بينما تسببت الأمواج في ظهور معالم جديدة وغير معروفة سيجري العمل على تشخيصها وتوثيقها'.
وإضافة إلى المتخصصين والباحثين، استقطبت هذه الاكتشافات الأثرية بهذه المناطق أشخاصاً حاولوا الاستيلاء على القطع التي كشفتها الأمواج العاتية. وتصدت لهم وحدات الحرس الوطني وأوقفت ثلاثة منهم في حين تطلب إنجاز أعمال التسجيل والتوثيق بشاطئي نيابوليس والمحرصي الاستعانة بالحرس البحري والشرطة البيئية ليتمكن أعوان المعهد الوطني للتراث من إنجاز أعمالهم وتوثيق الآثار المكتشفة.
ونفت مصادر مسؤولة من التفقدية الجهوية للتراث بالشمال الشرقي الأخبار المتداولة عن سرقة قطع أثرية من متحف الموقع الأثري البوني في كركوان، مشيرة إلى أن الوحدات الأمنية أوقفت أشخاصاً حاولوا سرقة لقى أثرية بمنطقتي دمنة ووادي القصبة البعيدة من الموقع الأثري بنحو 1 كلم.
حسب بلاغ صادر عن المعهد الوطني للتراث فإنه 'في إطار الحرص المتواصل على صون التراث الأثري الوطني وحمايته من الأخطار الطبيعية، لا سيما تلك الناجمة عن التقلبات المناخية والظواهر الجوية الاستثنائية، انطلق فريق عمل مشترك بين وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية والمعهد الوطني للتراث في تنفيذ عمليات تحضيرية شملت المسح الأثري والتوثيق العلمي الأولي للقى الأثرية التي كشفت عنها التقلبات الجوية الأخيرة بمحيط المتحف الأثري في لسقطة بالساحل الشرقي للبلاد، تمهيداً لإنجاز حفرية إنقاذ مبرمجة خلال أيام، وفق المعايير العلمية المعتمدة في مجال البحث الأثري وصون التراث'.
وزارة الشؤون الثقافية من جانبها تعهدت ومختلف المؤسسات التابعة لها الحفاظ على تراث تونس واسترجاع ما نهب منه، بخاصة أن شبكات التهريب لا تزال تتهيأ للسطو عليه بعدما كشفت التقلبات المناخية الأخيرة عديد الآثار التي لم يجر العثور عليها من قبل في عدد من مناطق الجمهورية.
ومن جانب علمي نابع من أهل الاختصاص تقول الدكتورة عفاف الهلالي الباحثة في الآثار بالمعهد العالي لمهن التراث في تصريح خاص إن 'الاكتشافات الأثرية الحديثة تبرز أن تونس تزخر برصيد تراثي حي وثري، وهو ما يفرض مضاعفة الجهود الوطنية لحمايته وتثمينه'، معتبرة أن مرحلة ما بعد الاكتشاف هي الأهم والأصعب تستوجب تدخلات عاجلة ودقيقة من لدن المتخصصين.
وأكدت أن 'عديد المواقف التراثية في تونس شهدت أضراراً بسبب الأمطار والعوامل الجوية، داعية إلى مزيد من العناية بها واللجوء إلى أهل الاختصاص لمعرفة كل جديد في هذا المجال الحساس'.
من جانبه رأى الدكتور نبيل قلالة الأستاذ الجامعي المتخصص في الآثار القديمة مدير العام السابق للمعهد الوطني للتراث، أن 'ما صاحب من تأويلات وأحاديث حول هذه الاكتشافات على مواقع التواصل أو في بعض وسائل الإعلام غير دقيق'، موضحاً أن 'المتخصصين يعرفون جيداً أن السواحل التونسية تزخر بالآثار وعديد الدراسات نشرت في هذا الجانب.
ولفت الانتباه إلى أن 'اهتمام تونس بالتراث ليس جديداً وأن دراسات نشرت منذ تسعينيات القرن الماضي بين المعهد الوطني للتراث ومعاهد أجنبية أكدت وجود آثار على السواحل التونسية'، مشدداً على أن 'الباحثين التونسيين ومؤسسات التراث في تونس تعتني جيداً بالتراث خصوصاً الساحلي عكس ما يجري ترويجه'.
ونوه قلالة إلى ظاهرة الانجراف البحري التي تتسبب في تآكل بعض المناطق الأثرية بخاصة في سواحل نابل والمهدية وسلقطة، داعياً إلى مزيد الاعتناء بها في ظل التقلبات المناخية.
وتعتمد صيانة المباني الأثرية في تونس بصورة أساسية على المعهد الوطني للتراث التابع لوزارة الشؤون الثقافية، الذي يركز على مشاريع الترميم وإعادة التأهيل والمعالجة الوقائية للمواقع التاريخية مثل مدينة تونس العتيقة والقصور التاريخية والمسارح الرومانية، مع التركيز على إعادة توظيفها ثقافياً. وتتضمن هذه الأعمال ترميم الواجهات والأسقف والشبكات الكهربائية والمياه وتنفيذ دراسات تشخيصية للحفاظ على القيمة الأثرية والتاريخية مع الاستفادة من الدعم الدولي وتطبيق معايير 'اليونيسكو' في بعض الأحيان.
من جانب آخر فيه نوع من النقد لواقع الآثار في تونس، يقول الباحث الفيزيائي الدكتور يسري حداد بعد حادثة اكتشاف جانب من آثار نيابوليس في نابل، إنه 'لا مستقبل ولا خير في أمة لا تحترم تاريخها ولا تحميه'، مؤكداً أنه 'بعد الفيضانات التي شهدتها سواحل تونس ومدينة نابل، ظهرت في عديد الشواطئ التونسية آثار قرطاجية ورومانية وبعضها يعود إلى الحقبة اللوبية بحسب تصريحات عدد من الخبراء في الإعلام واعتبروها من أهم الآثار الموجودة في تاريخ تونس بحسب تصريح أحد المتخصصين'. وعلق حداد قائلاً 'كالعادة، مصير هذه الاكتشافات واضح وهو الإهمال، الغياب التام للحماية، ثم الضياع'.
وواصل حداد وهو يقيم خارج تونس 'الوضع في الحقيقة أسوأ. خلال زيارتي الأخيرة لتونس، وتحديداً إلى مدينة نابل، كان ما آل إليه الموقع الأثري نيابوليس صادماً'. وتابع 'نحن أمام موقع يعد من أقدم المدن المذكورة بعد قرطاج، يعود إلى الحقبة القرطاجية ثم الرومانية يتميز بقيمة تاريخية لا تقدر بثمن. واليوم، تحيط به القمامة وقوارير الخمر وغياب شبه كلي للصيانة والحماية وتعامل كأنها عبء'. ويرى حداد أن 'هذا الإهمال يمس الذاكرة الوطنية وحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها'.
ووجه حداد نداء إلى وزارة الثقافة والمسؤولين في محافظة نابل، بخاصة نواب الجهة بمجلس النواب 'للنظر في هذا الملف بجدية وحماية هذا الكنز' الذي يعده 'مسؤولية وواجباً وليست خياراً'.
يشار إلى أن فريقاً علمياً تونسياً إيطالياً مشتركاً عثر عام 2017، على مدينة رومانية قديمة غارقة في البحر قبالة شمال شرقي تونس، ويؤكد هذا الاكتشاف نظرية أن مدينة 'نيابوليس' قد غمرت بالمياه جزئياً بسبب تسونامي في القرن الرابع الميلادي.
وتعزز هذه الاكتشافات المعلومات التي تفيد بأن 'نيابوليس' شكلت فيما مضى أكبر مركز في العالم الروماني لإنتاج 'الغاروم'، وهو بهار مستخرج من الأسماك، كان رائج الاستخدام لدى أهل روما القديمة.
وبدأ الفريق التونسي الإيطالي العمل عام 2010، بحثاً عن ميناء نيابوليس، ولم ينجح أعضاؤه في مسعاهم للعثور على تلك الأنقاض، التي تمتد على مساحة أكثر من 20 هكتاراً أي ما يقارب 50 فداناً إلا في صيف سنة 2017، وذلك بفضل الظروف الجوية المواتية.

























