اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
فهد الأحمري
اعتدنا أن نقيس تحولات الأوطان بالسنوات والعقود، لكن الأجيال ربما تكون مقياسا أكثر إنسانية.. بعض التحولات تحتاج أجيالا حتى تظهر ملامحها، أما الحكاية السعودية فقد أربكت هذا المقياس.. في عمر مواطن سعودي واحد -يعيش بيننا- حدث ما كان يحتاج، في أماكن أخرى، إلى أعمار متعاقبة.
بيننا اليوم من وُلد في قرية لم تعرف الكهرباء، وشرب من البئر، وقطع المسافات سيرا، أو على دابة، ثم عاش حتى رأى الطرق السريعة والمطارات والجامعات والمستشفيات، ووصل إلى زمن يحمل فيه العالم داخل هاتف صغير في كفه.
والمسألة لم تكن انتقالا من مكان إلى آخر فقط، بل من زمن إلى زمن.. -هو نفسه- الذي كان يقيس المسافة بخطوات قدميه، أو بخطو دابته، صار يقيسها بزمن الرحلة الجوية، ثم عاش زمنا تكاد فيه المسافة تختفي أمام سرعة الاتصال.
والطفل الذي كان ينتظر رسالة قادمة من بعيد أياما، صار يرى أبناءه وأحفاده يتحدثون بالصوت والصورة مع أقصى العالم، ثم ما لبث أن صار ينافسهم في استخدام التقنية، وربما دل بعضهم على خفاياها.
الطريق اختصر المسافة إلى المدينة، ثم اختصرت التقنية المسافة إلى العالم.. ومن يقارن صور القرى والشوارع والمدارس والبيوت القديمة بما حوله اليوم، قد يظن أن الحكاية مجرد تطور عمراني أو اقتصادي.. لكنها أعمق من ذلك بكثير؛ فقد تغيرت علاقة الإنسان بالمكان والوقت والتعليم والعمل والعالم نفسه. ولم يكن التحول أسرع من الجغرافيا فقط؛ كان أسرع من تعاقب الأجيال.. فالسعودي لم يحتج إلى ثلاثة أجيال؛ ليشاهد ثلاثة أزمنة؛ عاشها هو في عمر واحد.
المواطن المعاصر نفسه صار يحمل في ذاكرته أزمنة متباعدة، إلى درجة يبدو معها أحيانا كأنه عاش أكثر من حياة واحدة.. لم يقرأ ذلك التحول في كتاب، ولم يسمعه حكاية من آبائه؛ بل عاشه بنفسه.. رأى أشياء تبدأ، وأخرى تختفي، ومدنا بقيت في مكانها، لكن ملامحها قفزت عقودا إلى الأمام.
وربما كانت هذه من أكثر صور التحول إدهاشا: أن يصبح ما كان حلما في مطلع العمر، جزءا عاديا من تفاصيل حياته.. فالإنسان لا يبقى مدهوشا إلى الأبد. وما كان استثنائيا بالأمس يصبح، مع الوقت، جزءا من الحياة اليومية، حتى أن دهشة بعض أعظم التحولات تختفي داخل الاعتياد عليها.. لكن الذاكرة لا تنسى المسافة.
ومن يعود قليلاً إلى الوراء يدرك أن ما حدث لم يكن مجرد تعاقب مراحل، بل عبور بين أزمنة كاملة اجتمعت في سيرة مواطن واحد.. كأن التاريخ، في هذه البلاد، لم ينتظر تعاقب الأجيال، بل استعجل خطاه قليلا؛ لكي يمر أكثر من زمن في عمر إنسان سعودي واحد.
ليست فرادة التحول أن يتغير المكان من حول الإنسان، بل أن يتغير معنى الحياة نفسها -أكثر من مرة- وهو ما يزال الشخص ذاته.. وربما لهذا كانت التجربة السعودية أسرع من الأجيال؛ لأن بعض الناس لم يرثوا المستقبل من أبنائهم، بل وصلوا إليه بأقدامهم.










































