اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ تموز ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
إن فلسفة الإسلام في الزواج تقوم على الوضوح، لأن الوضوح هو ما يصون الكرامة ويحفظ الحقوق ويبني المجتمعات، فالسر قد يكون في حالات استثنائية يقدرها الفقيه الثقة، لكنه لا يصلح قاعدة للحياة، فالقاعدة هي الإعلان، لأن النور ستر، والكتمان الدائم ريبة..
لقد كثر الزواج السري في مجتمعاتنا العربية، مما يهدد البنية الاجتماعية والصحة النفسية، فيجعله من أخطر الظواهر في هذا العصر.
ولعلنا نتناوله في مقاربة فلسفية، في دوافعه وفي نتائجه، لعلنا نلقي الضوء على هذا المرض العضال، فالزواج السري في جوهره ميثاق وجود قبل أن يكون عقدًا قانونيًا، فهو التقاء إرادتين على إنشاء كيان ثالث يقترن فيه الفردين؛ كيان له حضور في الذات، وليس في المجتمع ولا في التاريخ، ومن هنا تبرز إشكالية الزواج السري، إذ إنه يضعنا أمام سؤال مركزي: هل يمكن للميثاق أن يكتمل إذا ما اُنتزع منه بُعده العلني؟ وهل يبقى للحب شرعيته التي تحميه إذا ما آثر الظل على النور؟
فإذا ما نظرنا لماهية الإعلان كضرورة أنطولوجية، فإن الحقيقة الكامنة تظل مبهمة مستترة. فكما يرى الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم هيغل (1770- 1831) بأن الحقيقة لا تكتمل إلا عندما تخرج من دائرة الذات إلى دائرة الموضوع -أي المجتمع والتاريخ-، وعندما يعترف بها الآخر. فالزواج ليس شعورًا داخليًا فحسب، بل هو واقعة اجتماعية وتاريخية، تتطلب الاعتراف.
فديننا الإسلامي قد قرن صحة العقد بالإشهار، فجعله مع الولي والشهود ركنًا لا يقوم البناء بدونه، والحكمة في ذلك ليست شكلية، بل وجودية وأخلاقية، فالإعلان يحمي الضعيف ويحفظ الأنساب ويمنع الالتباس، ويربط الفرد بمسؤولية أمام الجماعة.
ولذلك فإن الزواج السري يختزل العلاقة إلى بعدها الثنائي المحض، فيجردها من بُعدها الثالث وهو المجتمع، فينقلب الميثاق من عهد يُبنى عليه بيت وأسرة ومستقبل، إلى اتفاق مؤقت معلق على شرط الكتمان، وهنا يتحول الإنسان من كائن اجتماعي بطبعه إلى كائن معزول يخشى نور الشمس!
وهذا يقودنا إلى جدلية الحرية والخوف، فقد يقال: إن السر حرية! لأنه يحرر العاشقين من سلطة العادات والتقاليد الجائرة، إذا كانت العادات تمنع حقاً أقره الشرع، فالإسلام لم يجعل رضا الناس شرطاً للزواج، بل جعل رضا الطرفين والولي والإشهار قاعدته.
غير أن الحرية التي تُشترى بالخوف هي حرية منقوصة، ولذا فإن هذا الزواج محفوف بالخوف وبالقلق، فإذا ما قال الفيلسوف كيركغارد واصفاً القلق بأنه 'دوار الحرية' -لثقل مسألة الاختيار حتى أطلق عليه (حمى الاختيار)– حيث إن الإنسان حين يختار تجتاحه تلك الحمى نتاج ثقل اختياره ولا سيما في الزواج السري، فيصبح القلق رفيقاً دائماً. وهنا يصبح كل لقاء محفوف بالحذر، وكل كلمة قد تكون دليلاً، وكل لحظة سعادة يشوبها هاجس الانكشاف، وهكذا تنقلب الحرية المزعومة إلى سجن نفسي، ويصير الإنسان عبداً للسر الذي صنعه بيده!
أما الأمر الأهم، فهو نية الكتمان وأخلاقيات المقصد، إذ إن المعيار في الفلسفة الأخلاقية هو النية والمال، فالسؤال الجوهري ليس في السر ذاته، بل في الباعث عليه، فإذا ما كان الكتمان لدفع ضرر محقق، أو لاتقاء ظلم جائر فهذا له حكم آخر يفتي فيه أهل العلم، أما إذا كان الكتمان للتلاعب أو لهضم الحقوق، أو للجمع بين زوجتين دون عدل ولا علم، أو لإشباع نزوة عابرة دون تحمل تبعاتها، فإن السر هنا يصبح ستاراً للظلم، والفارق بين الحالتين هو الفارق بين من يستخدم الكتمان درعاً يحمي به حقاً، بين من يستخدمه خنجراً يطعن به خاصرة حق ليس من حقه، فديننا جاء ليقيم العدل، وكل ما أدى إلى ضياع الحقوق فهو مناقض لمقاصده.
ولذلك يصبح الزواج واقعاً بين الحقيقة الذاتية والحقيقة الاجتماعية، فلسفته تميز بين الوجود في ذاته والوجود لذاته، فالحب قد يكون موجوداً في ذاته بين طرفين، يشعران به ويصدقانه، لكن الزواج كيان اجتماعي لا يتحقق وجوده للآخرين إلا بالإعلان.
ولذا فإنه من دون هذا الإعلان تظل المرأة بلا صفة اجتماعية تحميها، ويظل الرجل بلا التزام معلن يقيده، ويظل الأبناء في المستقبل معلقين بين النسب والإثبات، فالإسلام حين أوجب الإشهار فإنه قد أراد بذلك خروج العلاقة من كهف الاحتمال إلى ساحة الممكن، أراد أن يمنح الضعيف سنداً، وأن يضع القوي أمام مسؤوليته العلانية التي اختارها بشجاعة.
ولذا لا بد من الخروج نحو فلسفة النور، لأن الزواج السري يضعنا أمام اختبار عميق للشجاعة الأخلاقية، فالشجاعة ليست في خرق المألوف فحسب، بل في تحمل تبعات هذا الخرق بشرف، نعم، هو شرف العهد والكلمة، فإذا كان الحب صادقاً والعقد صحيحاً، فلماذا يُدفن في الظلام؟ وإن كان في الظلام ما يريب، فهل يصلح أساساً لبيت يذكر فيه اسم الله؟
إن فلسفة الإسلام في الزواج تقوم على الوضوح، لأن الوضوح هو ما يصون الكرامة ويحفظ الحقوق ويبني المجتمعات، فالسر قد يكون في حالات استثنائية يقدرها الفقيه الثقة، لكنه لا يصلح قاعدة للحياة، فالقاعدة هي الإعلان، لأن النور ستر، والكتمان الدائم ريبة.
والميزان الذي لا يخطئ هو ميزان النبوة 'اتقوا الشبهات'، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، والزواج أكرم من أن يُجعل شبهة، وأقدس من أن يعيش في الخفاء، إنه ميثاق غليظ، والميثاق الغليظ لا يُكتب بالحبر السري.










































