اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
في غرف الحرب الحديثة، لم يعد قرار الحرب مشكلا بقرارات الجنرالات وضباط الاستخبارات فقط. فمع اعتماد الحرب المعاصرة على أنظمة رقمية تدرب وتطور وتصان بشركات خاصة، يوجد مؤثر جديد في صناعة القرار. وعلى خلفية الحرب مع إيران، تتكشف معركة تدور رحاها ليس في الميدان، إنما في المحاكم بين وزارة الدفاع الأمريكية وشركة أنثروبيك.
وضعت أنثروبيك شروطا عند استخدام تقنياتها في العمليات العسكرية. وهذا أمر غير معتاد، حيث لم يعتد من موردي التقنية فرض شروط تقيد كيفية استخدام منتجاتها بعد بيعها. لذلك وصفت وزارة الدفاع أن الشركة خطر على سلسلة الإمداد، وسعت إلى تقييد استخدام أنظمتها عبر الجهات الحكومية.
في قلب هذا النزاع سؤال مهم: هل من حق المورد فرض قيود على استخدام تقنيته في الحرب؟ وإذا أمكنه ذلك، هل تملك الشركات نوعا جديدا من النفوذ على المؤسسة العسكرية؟
لنتخيل أن مورد مقاتلات إف-35 اشترطت استخدام طائراتها في النزاعات التي يوافق عليها الكونغرس، وأن أي استخدام خارج هذا الإطار يتطلب موافقتها. قد يبدو هذا التصور غير واقعي، لكن هذا ما يقابله في قضية أنثروبيك اليوم.
ما يظهر لنا أن الذكاء الاصطناعي ليس سلاحا تقليديا، بل تقنية عامة طورت أساسا لأغراض مدنية. مما يخلق ما يمكن أن نسميه توتر الاستخدام المزدوج عندما توظف هذه الأنظمة لغرضين مدني وعسكري، عندها لا يتوقف دور الشركات المطورة عند التسليم.
مؤخرا، عكست الإجراءات القانونية هذا التوتر. ففي قضية في المحكمة الفدرالية حكم قاض لصالح أنثروبيك، معتبرا أن وزارة الدفاع لم تملك مبررات كافية لتصنيفها كخطر على سلسلة الإمداد. لا يحسم هذا الحكم القضية، لكنه يشير إلى تحول محتمل: قد تملك شركات التقنية هامشا أوسع مما كان يعتقد للاعتراض على كيفية استخدام أنظمتها.
الأهم من نتيجة هذا النزاع هو ما قد يترتب عليه. فإذا استطاعت الشركات فرض قيود أخلاقية عبر العقود أو القضاء، فقد تفصل الحكومات بين استخدامات الذكاء الاصطناعي المدنية والعسكرية بوضوح. وقد تسارع وزارة الدفاع إلى الاستثمار في أنظمة مصممة خصيصا للأغراض العسكرية.
هكذا نعود لنمط مألوف في تاريخ التقنية. فقد نشأت تقنيات أساسية عديدة -مثل الإنترنت ونظام تحديد المواقع- في سياقات عسكرية قبل أن تنتقل إلى الاستخدام المدني. وقد يسلك الذكاء الاصطناعي مسارا مختلفا، لكن ربما سرعت النزاعات العسكرية تطوير التقنية في اتجاهات جديدة.
إذا حدث ذلك، فمن الممكن إعادة التوازن بين السلطة العامة والخاصة. لطالما اعتمدت القوة العسكرية على التقنية، لكن الدولة كانت تاريخيا قادرة على استيعابها ضمن هياكلها القيادية. أما الذكاء الاصطناعي، فيعقد هذه المعادلة، إذ يظل مرتبطا بنظام أوسع، تجاري وعابر للحدود، لا يخضع بالكامل لسيطرة الدولة.
هنا يبرز تحول دقيق لكنه عميق: لن تتغير فقط كيفية خوض الحروب، بل سيتغير من يملك التأثير في تشكيلها. فالسؤال لم يعد مقتصرا على من يملك القوة، بل من يملك الأنظمة الممكنة لهذه القوة. وربما لم تستعد الحكومات بعد لهذا التحول، لكن ستجد نفسها مضطرة إلى مواجهته.










































