اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
رسوم المواقف التجارية تؤدي لظاهرة تخطيطية تعرف باسم: أثر التسرب المروري، وقد أكد دليل المواقف الذكية للمدن، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية وسياسات النقل لعام 2010، أن فرض رسوم على الأرصفة يدفع الأشخاص إلى الالتفاف على الأنظمة، وقيادة سياراتهم باتجاه الطرق الداخلية الملاصقة للشوارع التجارية حتى يحصلوا على موقف مجاني، ويتجنبوا فواتير العدادات وغرامات الرصد الآلي..
بدأ التشغيل الفعلي لأكثر من 3,690 موقفاً مدفوع الأجر في العاصمة السعودية، وذك في 25 يوليو من العام الجاري، بمعرفة شركة مواقف الرياض، وعلى الشريط التجاري لحي العليا بوسط الرياض، والذي يدخل فيه شارع العليا وطريق الملك فهد والشوارع الداخلية، والقرار حول الأرصفة من مرافق خدمية مجانية الى مساحات استثمارية، تلزم مستخدميها بسداد فواتير مقابل وقوفهم فيها، ويعتبر التنظيم الجديد جيدا في إطاره العام، لأنه يستهدف إنهاء الوقوف العشوائي، ومعالجة مشاكل الزحام، والأمر نفسه ينطبق على مدينة جدة، التي تدير 8,500 موقف تجاري.. وتعود فكرة المواقف المدفوعة الى يوليو 1935، حين اخترع الأميركي كارل مغي أول عداد مواقف في التاريخ، بمدينة أوكلاهوما الأميركية، لمعالجة ركود الحركة التجارية أمام واجهات المحال، ورغم الإيجابيات الكثيرة لخصخصة الشارع إلا أنه قد يؤدي الى أزمة يصعب التعامل معها في المستقبل، ومن الشواهد، تعليق أمانة المنطقة الشرقية للقرار وبشكل مؤقت، وتحديدا في مواقف الدمام والخبر، لسماع شكاوى مستخدمي الأرصفة، والوصول لما يحقق حماية الحركة الاقتصادية، ولا يرتب أعباء مالية ترهق ميزانية الأسر.
الخارطة الميدانية لأمانات المناطق الرئيسية في المملكة تظهر أن هذا التحول يعتبر جزءا من استراتيجية استثمارية، ستتم على مراحل، وستقوم بإخضاع أكثر من 24,000 موقف تجاري، في مدينة الرياض وحدها، لنظام الحوكمة الرقمية وتحصيل الرسوم.. والأرصفة في هذه الأيام أصبحت عبارة عن أصول تدار لتعظيم عوائد الشركات التي تشغلها، ويصل متوسط رسم كل موقف مع الضريبة الى 3,45 ريالات أو حوالي 92 سنتاً أميركيا في الساعة، ما يعني اقتطاع 12% من متوسط الدخل الشهري للموظف العادي، نتيجة لوقوفه الاضطراري أمام مقر عمله، وقد يحيل الشوارع الحيوية الى مربعات مغلقة تقاس فيها أحقية الشخص في الوقوف بملاءته المالية وقدرته على السداد.
استثمار مواقف الأرصفة لا يتوقف عند الرسوم وتأثيرها على الدخل الشهري، بل يمتد الى تغيير سلوكيات الناس الاستهلاكية، ممن سيفضلون استخدام تطبيقات التوصيل، على الذهاب الى المحال، ودفع رسوم الوقوف وغرامات التأخير، وهذا سيؤدي الى تراجع تدفق السيولة النقدية للكيانات التجارية التي تعتمد في مكاسبها على حركة الزبائن داخلها، وسيدخل قطاع التجزئة في حالة ركود مالي مزعجة، لأن فترة السماح المجاني لمدة 15 دقيقة، لا تفيد في حالة المحال التي تنتظم فيها طوابير الانتظار لمدة طويلة.
خصخصة الأرصفة واستثمارها التجاري يتقاطع مع تجارب عالمية سابقة عليه، أبرزها تجربة العاصمة البريطانية لندن، التي تقدم دليلاً واقعياً على مخاطر الجباية الرقمية، والتي حققت بلدياتها -استنادا لتقرير مؤسسة الطرق البريطانية في 2024- فائضا سنويا من فواتير الأرصفة يتجاوز 960 مليون جنيه استرليني، أو أكثر من مليار و398 مليون دولار، وفي حدود أربعة مليارات و875 مليون ريال، والسابق أحدث موجة انتقادات واسعة، وبالأخص من قبل الأسر وأصحاب المتاجر التقليدية في بريطانيا، ممن توقفت أعمالهم أو تراجعت مبيعاتهم بفعل الرسوم.. وفي الحالة السعودية تقوم الشركات المشعلة للموقف، ومن أمثلتها، شركة مواقف الرياض، وشركة المواقف الوطنية في جدة، بتوظيف سيارات فحص ذكية تعمل على تصوير لوحات السيارات المخالفة، وبمعدل ثلاثة آلاف سيارة في الساعة، والمتوقع أن تصل عوائدها المتراكمة الى 1,5 مليار ريال، أو 400 مليون دولار، طوال عقد الامتياز الذي يستمر لمدة عشرة أعوام، ولعل المرونة المفقود في اللوائح الحالية للبلديات حولت التنظيم من أداة لتحسين جودة الحياة، الى مطب نظامي لزيادة المخالفات، والإضرار بمصالح الناس والمحال التجارية معًا.
رسوم المواقف التجارية تؤدي لظاهرة تخطيطية تعرف باسم: أثر التسرب المروري، وقد أكد دليل المواقف الذكية للمدن، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية وسياسات النقل لعام 2010، أن فرض رسوم على الأرصفة يدفع الأشخاص إلى الالتفاف على الأنظمة، وقيادة سياراتهم باتجاه الطرق الداخلية الملاصقة للشوارع التجارية حتى يحصلوا على موقف مجاني، ويتجنبوا فواتير العدادات وغرامات الرصد الآلي، وما قيل ينسجم مع ما ذكره البروفيسور دونالد شوب، أستاذ التخطيط الحضري بجامعة كاليفورنيا الأميركية، في كتابه 'الكلفة العالية للمواقف المجانية' المنشور في 2005، والذي توصل فيه الى ان محاصرة الرصيف التجاري بالرسوم تطلق ظاهرة الدوران للبحث عن موقف، وتجبر الأشخاص على الدخول والخروج من والى الطرقات الضيقة، بحثاً عن رصيف متاح، ما يحدث هدراً في الوقود، ويرفع من مستوى الانبعاثات الكربونية التي تخنق محيط الأحياء السكنية، والأهم انه ينقل أزمة الازدحام والضوضاء البصرية من الشارع العام الى الشوارع الداخلية، ويؤدي لتكدس سيارات أشخاص من خارج الحي أمام منازل سكانه، ما يشعرهم بالضيق ويؤثر على حياتهم.
أعتقد أن الخروج من المشاكل المترتبة على تخصيص الأرصفة واستثمارها ممكن عن طريق تفعيل البلديات لنظام تصاريح الإعفاء السكني، وبحيث يعطي ساكني العقارات الواقعة في نطاق المواقف الخاضعة للرسوم رخصَ وقوف مجانية، تفضح من يحاولون الالتفاف على الأنظمة، وتجاوز سداد فواتير العدادات، بالوقوف في شوارع الأحياء الداخلية المجانية لسكانيها دون غيرهم، بشكل يفضح تسرب سيارات الى الشوارع الداخلية، الهاربين من رسوم العدادات، إلا أن هذا الحل يواجه تشوها إجرائياً عند التطبيق الفعلي، لأن شروط الحصول على رخصة الإعفاء، بواسطة المنصات الرقمية كمنصة بلدي، معقد بشكل لا يمكن تصوره، وتشترط إحضار صكوك الملكية، أو عقود الإيجار المتطابقة بدقة مع رخص البناء وبيانات السيارات، وهذه البيروقرلطية الإدارية توقع ساكني الحي في دائرة المخالفات والغرامات، مع أن لهم أحقية نظامية في أرصفة مساكنهم.










































