اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
ليست كل شهرة نجاحًا، وليس كل مشهور قدوة، وليس كل من حصد ملايين المتابعين يملك ما يستحق أن يُقتدى به. هذه حقيقة تبدو بديهية، لكن واقع منصات التواصل الاجتماعي تقول: إننا بدأنا نخلط بين الانتشار والقيمة، وبين عدد المتابعين وحجم التأثير الحقيقي.
في السابق، كانت القدوة تُصنع عبر سنوات من العلم والعمل والمواقف والإنجاز. كان الإنسان يحتاج إلى سيرة تستحق أن تُروى. أما اليوم، فقد يكفي مقطع لا يتجاوز ثواني، أو موقف مثير للجدل، أو محتوى فارغ يتكرر باستمرار، ليجد صاحبه نفسه أمام ملايين المشاهدات، ثم تبدأ حوله صناعة صورة أكبر من حقيقته.
المشكلة ليست في الشهرة ذاتها؛ فهناك مشاهير يقدمون محتوى نافعًا ومحترمًا، ويستثمرون حضورهم في المعرفة والتوعية والعمل الإنساني والمبادرات المجتمعية. المشكلة تبدأ عندما نمنح الشهرة وحدها قيمة أخلاقية وفكرية لا تستحقها، ونضع كل من عرفه الناس في موقع القدوة لمجرد أنه معروف. والأخطر من ذلك أن بعض الأجيال الناشئة أصبحت تقيس النجاح بما تراه على الشاشات: سيارة فارهة، سفر متواصل، مطاعم، ملابس، إعلانات، وأرقام ضخمة من المتابعين. بينما تختفي خلف هذه الصورة نماذج حقيقية تستحق الضوء؛ معلم يصنع جيلًا، وطبيب ينقذ حياة، وباحث يضيف معرفة، ومتطوع يخدم مجتمعه، وأب وأم يبنيان أسرة صالحة، وشاب بدأ من الصفر وصنع مستقبله بالعمل والاجتهاد ، هؤلاء قد لا تلاحقهم الكاميرات، ولا تتصدر أسماؤهم قوائم الأكثر تداولًا، لكن أثرهم في الحياة أكبر من ضجيج كثير ممن نراهم كل يوم.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف كلمة 'قدوة' في أذهان أبنائنا. فالقدوة ليست من نعرف تفاصيل يومه، بل من نتمنى أن نتعلم من مبادئه وأخلاقه وعمله. وليست من يجيد لفت الأنظار، وإنما من يترك أثرًا يستحق الاحترام.وهنا تأتي مسؤولية الأسرة والإعلام والمجتمع. فلا يكفي أن نشتكي من المحتوى السطحي ثم نشارك في تضخيم أصحابه بالمشاهدة والنشر والتعليق. نحن جزء من صناعة الشهرة، وكل نقرة ومشاركة تمنح محتوى ما مساحة إضافية، سواء كان يستحقها أم لا.
علينا أن نعلّم أبناءنا سؤالًا بسيطًا قبل الإعجاب بأي شخصية مشهورة: بماذا اشتهر؟ وماذا أضاف؟ وما الذي يمكن أن أتعلمه منه؟ فالشهرة قد تأتي في ليلة، وقد تختفي في ليلة أخرى، أما القدوة الحقيقية فلا تصنعها خوارزمية، ولا يصنعها عدد المتابعين.لا تصنعوا من كل مشهور قدوة؛ فبعض من يستحقون أن يكونوا قدوة يعيشون بعيدًا عن الأضواء، لكنهم أقرب إلى صناعة المستقبل.
fatimah_nahar@










































