اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٣١ تموز ٢٠٢٦
في غضون 72 ساعة، تحول أكبر مشروع تجاري في تاريخ كرة القدم إلى أكبر أزمة حوكمة في تاريخ فيفا، حين قال كيفن لامور، المدير التنفيذي للعمليات في فيفا، لوكالة أسوشيتد برس، إن موظفي الاتحاد «خُدعوا» بسبب افتقار رئيسه جياني إنفانتينو إلى الانفتاح في التخطيط للبيع على مدى أشهر، وإنهم «يستحقون أفضل من الاحتقار والترهيب»، وإن المشروع «مشروع شخص واحد» و«يجب ألا يمضي».
لامور الذي كسر جدار الصمت
قبل تصريح لامور بساعات، كان كارلوس كورديرو، المستشار الأول لإنفانتينو وممثل فيفا في فريق البيت الأبيض لمونديال 2026، قد استقال احتجاجًا على الخطة ووصفها بأنها «صفقة سيئة لكرة القدم».
الرجل الذي كسر جدار الصمت فرنسي دخل عالم كرة القدم من السياسة قبل عقدين مساعدًا لميشيل بلاتيني، ثم صار جزءًا من الدائرة الضيقة التي قادت حملة إنفانتينو المفاجئة في انتخابات 2016، ويتولى منصب مدير العمليات منذ 2024.
لم يقدم لامور استقالته، لكنه ترك الباب مفتوحًا لإقالته بعبارة صارت عنوان القصة: «إذا كان ذلك يعني فقدان وظيفتي فليكن، سأتفهم وأحترم القرار، على الأقل سأنام الليلة مرتاحًا»، مضيفًا أنه تحدث دفاعًا عن زملائه الذين وجدوا أنفسهم أمام خطة لم يشاركوا في صنعها.
أما كورديرو فهو مصرفي سابق في غولدمان ساكس قضى أكثر من 35 عامًا في المصارف، ورأس الاتحاد الأمريكي لكرة القدم سابقًا، ومثّل فيفا في اجتماعات البيت الأبيض إلى جانب إنفانتينو وترامب.
في بيان استقالته، قال كورديرو إنه «لم يكن له أي دور في هذا المقترح ويعارضه تمامًا»، وإن بيع حصة دائمة في أثمن أصول كرة القدم لجمع 4.2 مليار دولار «قليل الجدوى» في ظل امتلاك فيفا احتياطات بمليارات الدولارات وبلا ديون، وإيرادات بلغت 15 مليار دولار في أربع سنوات، وإن الخطة «ترهن مستقبل كرة القدم دون مبرر مقنع»، وختم بدعوة زملائه إلى التحدث لأن «قرارات بهذا الحجم يجب أن تُتخذ لمصلحة كرة القدم لا لمصلحة من يربحون منها».
ما هي «فيفا فورورد إنتربرايز»؟
الخطة التي انفجرت حولها الأزمة تحمل اسم «فيفا فورورد إنتربرايز»، وهي كيان تجاري جديد تقول رويترز إن فيفا يقدره بنحو 20 مليار دولار، بينما تحدثت مصادر فرنسية عن 17 مليار يورو، يضم العمليات التجارية لكل البطولات الكبرى: حقوق البث والرعاية والتذاكر والترخيص لكأس العالم للرجال والسيدات وكأس العالم للأندية.
ويعتزم فيفا بيع حصة أقلية غير مسيطرة تصل إلى 20% لمستثمرين خارجيين لجمع ما يصل إلى 4.2 مليار دولار، بقيادة صندوق «ثرايف إيترنال» التابع لجوشوا كوشنر شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي، وباستشارة بنك جيه بي مورجان، وبإشراف تجاري من غريغ مافي الرئيس التنفيذي السابق لشركة ليبرتي ميديا.
في المقابل، عرض إنفانتينو على كل اتحاد من الاتحادات الـ211 تمويلًا إضافيًا فوريًا، بواقع 20 مليون دولار وفق بيان فيفا الرسمي، و34 مليون يورو وفق مصادر أخرى، مقابل الموافقة قبل مهلة 19 سبتمبر.
خطة يرفضها الجميع
كانت الخطة تُحضر سرًا منذ أشهر، وكشفها أولًا تقريرا صحيفة التايمز وفاينانشال تايمز الثلاثاء 28 يوليو.
أعضاء مجلس فيفا أنفسهم فوجئوا بالخبر، وقد استُبعدوا من عملية القرار، وكذلك الاتحادات الأوروبية التي قالت إنها لم تُستشر. ونقلت الغارديان عن مصادر متعددة أن قيمة الكيان تقارب 20 مليار دولار، وأن إنفانتينو أراد استثمار النجاح التجاري لمونديال 2026 الذي تجاوزت إيراداته 15 مليار دولار بعد أن كانت التوقعات تشير إلى 13 مليارًا.
خلال أقل من 48 ساعة، اجتمع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم و55 اتحادًا وطنيًا وخرجوا بإجماع تاريخي: «كأس العالم ليست للبيع»، و«لا يمكن التعامل معها كمنتج استثماري»، و«لا أحد يملك السلطة الأخلاقية لبيع ما يحمله أمانة للجيل القادم»، واصفين الطريقة التي حُضرت بها الخطة بأنها «إخفاق قيادي» و«حوكمة بالترهيب»، ومهددين بعدم مشاركة أي منتخب أوروبي في أي مسابقة فيفا ما دام المقترح قائمًا، ما لم يُسحب بالكامل مع ضمانات ملزمة.
وقد أعلنت الاتحادات الإنجليزية والاسكتلندية والويلزية والأيرلندية وقوفها صفًا واحدًا مع القرار.
ولم تتوقف الجبهة عند أوروبا؛ إذ رفض كونكاكاف، الذي استضافت منطقته المونديال الذي انتهى قبل أيام، المقترح في اجتماع الخميس مشيرًا إلى غياب الإجراءات السليمة وقصر فترة التشاور وعدم عرض الخطة على أجهزة الحوكمة.
كذلك حذر الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، الذي يضم 47 اتحادًا، من أن الخطة لن تنجح أبدًا دون دعم الاتحادات القارية الستة، وقال إن «كرة القدم ما كان ينبغي أن توضع في هذا الموقف». ونقلت صحيفة التلغراف عن مصادر أن «الدائرة المقربة من إنفانتينو تمرّدت» وأن الخطة «ميتة ومدفونة» بعد انضمام آسيا إلى التمرد.
ترامب يتخلي عن إنفانتينو
وكتب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام كتب أن «كرة القدم لا تنتمي إلى المستثمرين، كأس العالم ليست منتجًا، إنها أعظم مسابقة رياضية في العالم، ولم تكن يومًا ملكًا لأحد ليبيعها».
وقال وزير ماليته جون هيلي الجمعة إن خطط فيفا «تنهار» وإنه «فخور بأن الاتحاد الإنجليزي ويويفا قادا الهجوم ضد فكرة أن كأس العالم للبيع»، وطالب بوضع الخطط جانبًا.
وفي المقابل، نفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من كامب ديفيد أنه تحدث مع إنفانتينو بشأن البيع، في محاولة لقطع الخيط الذي يربط الخطة بالبيت الأبيض، بعد أسابيع من الجدل حول مكالمته بخصوص إيقاف المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون، وتحقيق أطلقه النائب جيمي راسكين في الكونغرس حول علاقات إنفانتينو بترامب.
وقد جاء رد فيفا الرسمي في بيان صدر فجر الجمعة، اعترف فيه بـ«احترام الملاحظات والقلق المعلن» وأعاد التأكيد على «التزامه بمشاورات مفتوحة وديمقراطية»، لكنه حمّل «التقارير الإعلامية غير الدقيقة» مسؤولية تعطيل عملية التشاور، وأكد أن «لا أحد يبيع كرة القدم» وأن «لا كيان واحد يمكنه ادعاء تمثيل الـ211 اتحادًا»، مع الإشارة إلى أن الكيان لن يُنشأ دون موافقة أغلبية الاتحادات. البيان لم ينسحب من الخطة، بل أكد المضي في المشاورات حتى يتمكن كل اتحاد من التصويت «استنادًا إلى الحقائق».
ماذا الآن وأين نحن؟
القراءة المتأنية لما حدث خلال هذه الأيام الأربعة تكشف أن أزمة فيفا ليست أزمة أرقام، بل أزمة إجماع داخلي؛ فلغة لامور تطابق حرفيًا مع لغة بيان يويفا، وكأن الجبهتين الداخلية والخارجية تقرآن الخطة نفسها بالطريقة نفسها.
كذلك فإن الأرقام لا تخدم سردية البيع؛ فيفا يملك احتياطات بمليارات الدولارات وبلا ديون، ويحقق 15 مليار دولار في الدورة الواحدة، فما الداعي لبيع حصة دائمة من أثمن أصوله بـ4.2 مليار دولار؟
كورديرو أجاب بصراحة: لا مبرر مقنع.
ثم تأتي آلية القرار نفسها موضع شك: مهلة 19 سبتمبر تفرض قرارًا على 211 اتحادًا قبل اكتمال النقاش، وعروض المال المغرية تستهدف تحديدًا اتحادات آسيا (47) وإفريقيا (54) وأوقيانوسيا (13) التي تشكل معًا 114 صوتًا من أصل 211.
أما بالنسبة لملف حقوق البث والرعاية، وهو جوهر الصفقة، فإن المخطط كان سينقل إدارة هذه الحقوق من فيفا إلى كيان مملوك جزئيًا لمستثمرين دائمين، ما يعني أن قرارات البث والجدولة والترخيص كانت ستصبح خاضعة لتوقعات العائد التجاري.
والأرقام التي رشحت تعكس حجم طموح المستثمرين هنا: فوكس دفعت 485 مليون دولار مقابل حقوق البث الأمريكية لمونديال 2026، بينما أشعر فيفا السوق أن حزمة 2030 و2034 لن تقل عن مليار دولار، مع احتمال التحول إلى بث مباشر للمستهلك على غرار نتفليكس.
المستثمرون الدائمون، بطبيعة استثمارهم، لديهم مصلحة مباشرة في مزيد من المباريات والمزيد من البطولات والأسواق الأكثر ربحية.
لا يبقى الآن سوى ثلاثة سيناريوهات ترسم الأفق القريب؛ الأول: إصرار فيفا على استكمال المشاورات حتى 19 سبتمبر، ما يفتح مواجهة مفتوحة مع يويفا قد تصل إلى مقاطعة فعلية لمونديال 2030.
الثاني: انهيار تدريجي للخطة تحت وطأة التمرد، لكن بيان فيفا الرسمي لم ينسحب.
الثالث: تسوية سياسية يتخلى فيها إنفانتينو عن FFE مقابل حماية ولايته حتى نهاية فترته الدستورية عام 2031، لكن التقارير عن تفكير فيكتور مونتاغلياني رئيس كونكاكاف في خوض انتخابات الرئاسة تضع علامة استفهام على هذا السيناريو، خصوصًا أن آخر موعد لتقديم الترشيحات 18 نوفمبر وموعد الانتخابات مارس 2027.
وفي قلب هذه العاصفة يقف مشهد إنساني صغير: رجل فرنسي كتب بيانًا لم يطلب منه أحد كتابته، قال فيه إن زملاءه خُدعوا، وإنه مستعد أن يخسر وظيفته مقابل نوم هادئ. وإلى جانبه رجل مصرف قضى 35 عامًا يعرف قيمة الأصول، اختار أن يصف الصفقة بأنها «رهن مستقبل كرة القدم».
وخلفهما موظفون في فيفا وصفهم مديرهم بأنهم «خُدعوا»، وأمامهما رئيس وصفه مدير عملياته بأنه صاحب «مشروع شخص واحد».
القصة الآن في يد الاتحادات الـ211 التي أمامها مهلة 19 سبتمبر، وفي يد إنفانتينو الذي لم يرد بعد على تصريح لامور. والسؤال الذي ستحسمه الأيام المقبلة: من سيتحدث بعد لامور وكورديرو؟










































