اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ حزيران ٢٠٢٦
محمد الحمزة
تشهد مدينة الرياض قفزات تنموية متسارعة جعلت منها مركزاً اقتصادياً وثقافياً جاذباً، غير أن هذا النمو المتسارع أفرز تحدياً مألوفاً تشترك فيه معظم المدن الكبرى، وهو الازدحام المروري في ساعات الذروة، وفي خطوة إستراتيجية رائدة، أطلقت الهيئة الملكية لمدينة الرياض بالتعاون مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مبادرة 'ساعات العمل المرنة'، كأداة تنظيمية ذكية لإعادة هندسة الوقت وتخفيف الضغط المروري اليومي الحاد.
المبادرة هي آلية تنظيمية تتيح للجهات الحكومية والخاصة تطبيق نافذة حضور وانصراف تمتد إلى أربع ساعات، ما يلغي المفهوم التقليدي لساعة الحضور الموحدة التي تضغط شبكات الطرق، وتستهدف في مرحلتها الأولى أكثر من خمسين جهة عمل تتوزع على ست مناطق حيوية ورئيسة بالعاصمة، وجرى تقسيم فترات الحضور بمرونة تبعاً لأنظمة العمل، حيث تمتد نافذة حضور الجهات الخاضعة لنظام الخدمة المدنية من الساعة الخامسة والنصف صباحاً حتى التاسعة والنصف صباحاً، في حين تبدأ نافذة حضور الجهات الخاضعة لنظام العمل من الساعة السابعة صباحاً وحتى الحادية عشرة صباحاً، مع استثناء القطاعات التشغيلية الميدانية مثل التعليم العام والقطاع الصحي لضمان استمرارية الخدمات الأساسية دون انقطاع.
والأثر الأبرز لهذه المبادرة يكمن في قدرتها على تفتيت 'ساعة الذروة' الصباحية والمسائية؛ فبدلاً من تدفق مئات الآلاف من المركبات في وقت واحد، تعمل المبادرة على توزيع هذه الحركة على مدار أربع ساعات. وبحسب دراسات مركز أبحاث الطاقة (كبسارك)، فإن السائق في الرياض قد يهدر ما يقارب 66 ساعة سنوياً على الطرق بسبب الازدحام، كما أن النمط المروري المتقطع يرفع استهلاك الوقود بنسب تصل إلى 29 %.
الازدحام المروري اليومي يعد أحد أبرز مسببات التوتر المزمن والإرهاق النفسي، ومنح الموظف القدرة على اختيار وقت بدء يومه الوظيفي يمنحه شعوراً أكبر بالتحكم والاستقلالية، ويقلل من القلق المصاحب للتأخر. واجتماعياً، تسهم هذه المرونة في تحسين التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، ما يتيح للآباء والأمهات تنسيق التزاماتهم العائلية ورعاية أبنائهم بشكل أفضل، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الرضا العام ويرفع بدوره معدلات الإنتاجية داخل بيئات العمل.
ورغم الأهمية البالغة لإستراتيجية الدوام المرن، فإن علاج تحدي السير في العاصمة يتطلب حزمة متكاملة من الحلول الإضافية التي تتكامل فيما بينها. ويأتي في مقدمة ذلك التوسع في سياسات العمل عن بعد للوظائف التي لا تتطلب حضوراً فيزيائياً لعدة أيام في الأسبوع، وتفعيل أنظمة النقل الجماعي للموظفين في الشركات الكبرى. كما تبرز الحلول التقنية والهندسية عبر الاستفادة القصوى من شبكة قطار الرياض وحافلاتها كبديل جوهري للمركبة الخاصة، مع تطوير أنظمة إشارات المرور الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارة التدفقات اللحظية.. يقول المخطط الحضري الشهير إدموند بيكون: 'إن العمارة الحضرية وتخطيط المدن لا يتعلقان بإنشاء مساحات فيزيائية فحسب، بل بتشكيل التجربة الإنسانية داخل تلك المساحات وإيجاد التناغم بين الحركة والزمن'.










































