اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ حزيران ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
عقود الرعاية في جوهرها اتفاقيات تجارية وأخلاقية معاً، تبرمها الشركات لدعم المناسبات والفعاليات مقابل عوائد تتراوح بين تعزيز الصورة المؤسسية وترسيخ الحضور في السوق وأداء دور في المسؤولية الاجتماعية؛ وقد نشأت هذه العقود في سياق منظومة حوكمة تستلزم توافر معايير اختيار واضحة، وآليات قياس للأثر، وإفصاحاً شفافاً أمام المساهمين والجهات الرقابية؛ وقد أسهمت تاريخياً نماذج رعاية ناجحة عالمياً مثل رعاية المؤتمرات والمحافل، في بناء قيمة مضافة حقيقية لجميع الأطراف؛ غير أن هذا الإطار المؤسسي الرصين يبدو اليوم في تراجع ملحوظ، حيث باتت قرارات الرعاية تتخذ بمعزل عن المعايير المهنية التي أُسست من أجلها.
الواقع لا يحتاج إلى عناء كبير ليكشف أنماطاً متكررة ومقلقة في طريقة إبرام عقود الرعاية وإدارتها والغاية منها؛ فكثير من هذه العقود تمنح لفعاليات هشة المحتوى لمجرد أنها توفر حضوراً إعلامياً لمسؤولين، أو تخدم شبكة علاقات ضيقة، بعيداً عن أي دراسة جدوى أو تقييم مسبق للأثر؛ وتشير طبيعة هذه العقود في كثير من الحالات إلى غياب الوثائق التعاقدية الواضحة وبيانات العائد منها، وهو ما عكسته ملاحظات بعض تقارير الحوكمة المؤسسية التي أشارت إلى ضعف الإفصاح في بنود الإنفاق التسويقي والرعائي؛ يضاف إلى ذلك أن بند الرعاية قد يوظف أحياناً للتحايل على أنظمة المشتريات والصرف المعتمدة، مما يحوله من استثمار اجتماعي وتسويقي مشروع إلى ثغرة مالية منظمة؛ وحين يختلط قرار الرعاية بالاعتبارات الشخصية وحب الظهور الإعلامي، يتحول ما كان مقرراً أداة للبناء المؤسسي إلى قناة مفتوحة للهدر، أو قد يكون مدخلاً للإثراء غير المشروع بعيداً عن أعين الرقابة.
معالجة هذا الخلل ربما يستوجب إصلاحاً منهجياً يكون بداية بسن لوائح تنظيمية وسياسات داخلية تلزم الشركات المدرجة والجهات الحكومية بنشر معايير الرعاية مسبقاً وإخضاعها لموافقة لجان مستقلة؛ واشتراط تقارير قابلة لقياس تحقق الأثر بعد كل فعالية، وتربط الصرف بمؤشرات أداء واضحة كالوصول الجماهيري والعائد المعرفي والفائدة الاجتماعية؛ وتفعيل دور الجهات الرقابية من مراجعة عقود الرعاية ضمن التدقيق المالي السنوي، وعدم الاكتفاء بها في خانة 'مصاريف تسويقية' مبهمة؛ إن إعادة عقود الرعاية إلى مسارها المؤسسي الصحيح ليست مسألة شكلية، بل ضرورة تحكمها متطلبات الحوكمة وصيانة المال العام من الاستنزاف المنظم؛ لاسيما وأننا نعيش في هذا العهد الميمون حراكاً وطنياً يتجسد في فعاليات كبرى، ومناسبات دولية، ومواسم حافلة، تتطلب نموذجاً تعاقدياً يحول الرعاية من مجرد دعم 'شرفي' إلى استثمار استراتيجي يعظم الحضور والأثر الوطني المستدام؛ ليكون الهدف الأسمى في نهاية المطاف هو إثراء الحراك الوطني، وتعزيز المكتسبات التنموية، وتحقيق مستهدفات الرؤية، بدلاً من أن تتسرب في ظل غياب الرقابة أو ضعفها إلى مصالح ليست ذات مغزى وطني.










































