اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
لماذا تبدو الأشياء دائماً كاملة، ناصعة، ولا تشوبها شائبة حين تولد داخل غرف زجاجية مغلقة؟ هناك، حيث الإضاءة مدروسة، والظلال منضبطة، والخطوات محسوبة بدقة متناهية، هذا هو حال الذكاء الاصطناعي بالضبط؛ إنه يعيش طفولة مرفهة داخل المختبرات، يحل أعقد المعادلات الرياضية، ويتنبأ بالمسارات، ويقود السيارات الافتراضية ببراعة تثير الذهول.
ولكن، ماذا يحدث حين يقرر هذا المارد المغذى بالبيانات الأنيقة مغادرة غرفته الزجاجية، ليمشي في شوارعنا المزدحمة، ويدخل بيوتنا المبعثرة، ويراقب غرف مستشفياتنا القاتمة؟ هنا تبدأ التراجيديا الرقمية، فالآلة التي أبهرت علماء المختبر، تصاب بالارتباك والعمى المؤقت حين تصطدم بفوضى الحياة الواقعية وعشوائيتها، وهذا يعني إننا أمام فجوة هائلة ومقلقة بين الذكاء النظري، والواقع العملي.
تواجه مسيرة الذكاء الاصطناعي ثلاث خطايا كبرى تهدد كفاءته، وتعصف بسلامتنا، وهي أولاً: فجوة التعميم، حيث يتم تدريب أنظمة الرؤية الحاسوبية على صور مثالية، عالية الجودة، ملتقطة في استوديوهات مضاءة بعناية أو تحت أشعة شمس ساطعة. وحين تعمل هذه الأنظمة في بيئة حقيقية، كمنزل رجل عجوز في ليلة خافتة الإضاءة، أو ممر مستشفى يملؤه الضباب والظلال. هنا تفشل الآلة في محاكاة الهيكل الرقمي لحركة الإنسان.
والواقع أن الفشل ليس عيباً في العقل الإلكتروني، بل في الذاكرة التي غُذّي بها؛ فهو لم يتعلم كيف يرى في الظلام، ولأن جمع بيانات ليلية وتصنيفها يدوياً عملية معقدة وباهظة الثمن، تظل الآلة عاجزة عن التعميم والتعامل مع تقلبات الطبيعة، والأمر الثاني الذي يهدد مسيرة الذكاء الاصطناعي هو معضلة السلوك البشري، حيث أن البشر كائنات غير متوقعة، وتفاعلاتهم مع الأشياء تفوق خيال أي خوارزمية. خذ 'الكرسي' كمثال؛ الآلة تعرف أنه أداة للجلوس، لكن الإنسان قد يجلس عليه، أو يحمله، أو يجره، أو يضعه فوق كرسي آخر، وكوب الشاي في المطبخ قد يُستخدم للشرب، أو الغسيل، أو السكب، أو المناولة.
هنا السؤال: كيف لآلة لم تدرب على كل هذه الاحتمالات اللامتناهية أن تفهم 'السياق' و'النية المستترة' وراء الفعل البشري؟ الواقع أن الآلة تجيد الحفظ والتكرار، لكنها تفشل في التكيف مع سلوك يخرج عن نصوصها المحفوظة، مما يجعل الروبوتات المساعدة في المنازل والمستشفيات خطراً محتملاً إذا أساءت فهم حركة عفوية من مريض أو رجل عجوز.
والأمر الثالث الذي يهدد مسيرة الذكاء الاصطناعي هو خطيئة الموارد، أو احتكار الأقوياء وعجز الفقراء، وهذا يشير بوضوح إلى الطبقية الراسخة في عالم التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى عضلات حوسبية هائلة، ومراكز بيانات عملاقة، ورقاقات إلكترونية متطورة لا تقوى على تكلفتها سوى كبرى الشركات العابرة للقارات، وتشير تقارير العام الحالي إلى أن قطاع الصناعات التقنية احتكر إنتاج أكثر من 90% من نماذج الذكاء الاصطناعي البارزة.
وهذا الاحتكار يخلق فجوة مخيفة بين مختبرات الجامعات والمؤسسات التي تفتقر للميزانيات المليارية، والمفارقة الأكبر، أن تلك النماذج العملاقة، المطورة عبر سحابات حوسبية ضخمة، يُطلب منها في النهاية أن تعمل على أجهزة صغيرة داخل عيادة، أو مدرسة، أو هاتف محمول، دون اتصال دائم بالإنترنت حفاظاً على الخصوصية، ولا شك أن هذا التفاوت بين النظرية الفائقة، والأجهزة المتواضعة يشل حركة التطور الحقيقي.
هذه التحديات ليست ترفاً أكاديمياً. إنها مسألة ثقة وأمان، فما فائدة نظام حماية يتنبأ بسقوط كبار السن إذا كان يُصاب بالعمى ليلًا؟ وما فائدة مراقب للأمن والسلامة في مصنع يخطئ في فهم حركة عامل لأنها لم تُدرج في كتالوج برمجته؟ الواقع أن العالم لن يردم هذه الفجوة بين المختبر المنعم والحياة الشرسة بين ليلة وضحاها، والحل يبدأ من الاعتراف بأن الآلة بحاجة إلى خوارزميات مرنة قادرة على التكيف والتعلم الذاتي من بيئات لم ترها من قبل، بدلاً من حشوها ببيانات مثالية لا وجود لها في الواقع العملي، وإذا أردنا للذكاء الاصطناعي أن يخدم الإنسانية حقاً، وأن يبني شوارع أكثر أماناً وأن يقدم لنا رعاية صحية أكثر ذكاءً، فعلينا أن نخرجه من 'برجه العاجي' ونعلمه كيف يواجه الواقع ومفاجآته اليومية.










































