اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
لم تكن الأمريكية 'ريانا' تعلم وهي تكبر في كنف والدها 'بوب' في ولاية أوريغون الهادئة، أن اليد الحانية التي كانت تمسح دموعها وتضفر شعرها، هي ذات اليد التي أطبقت على عنق والدتها حتى الموت.
عاشت الفتاة 37 عامًا تقدس والدها باعتباره 'البطل' الذي تحمل مسؤولية تربيتها وحيدًا منذ كانت رضيعة في شهرها الثامن، لكن تلك الصورة الملائكية تحطمت بوحشية على صخرة الحقيقة، عندما نبش المحققون في 'وحل' الماضي ليكتشفوا أن الأب المثالي ليس سوى ممثل بارع أخفى جثة زوجته في صندوق السيارة، ومارس حياته كأرمل مفجوع لثلاثة عقود.
ليلة الضباب والدم
عادت عقارب الساعة إلى ليلة شتوية كئيبة في الأول من ديسمبر عام 1988، حينما ضرب الضباب مدينة بيفرتون (شمال غرب الولايات المتحدة)، ليغطي جريمة نُفذت بهدوء مرعب.
هناك، بجوار موقع بناء مهجور، عثرت الشرطة على سيارة 'هوندا أكورد' سوداء مركونة بعناية، وبداخل صندوقها جثة 'ديبي أتروبس'، الأم الشابة البالغة من العمر 30 عامًا.
كان المشهد غريبًا؛ الضحية بكامل ملابسها ومعطفها الشتوي، لا آثار لاعتداء جنسي، ومفاتيح السيارة متروكة في الداخل.
بدا وكأن القاتل وضعها برفق في مثواها الأخير بعد أن خنقها، ثم مسح بصماته عن السيارة بقطعة قماش، تاركاً الشرطة أمام لغز بلا حل ومسرح جريمة نظيف إلا من بعض الطين الغامض.
برود قاتل ومكالمات وهمية
منذ اللحظات الأولى، استشعر المحققون الأمريكيون أن الزوج 'بوب أتروبس' يخفي شيئاً خلف قناع الهدوء المبالغ فيه. كان الزوجان قد انفصلا حديثًا، وكان بوب هو من أبلغ عن اختفائها، مدعيًا القلق عليها لتأخرها عن موعد تصفيف الشعر. لكن ما أثار الريبة لم يكن قلقه، بل 'طريقته'؛ فقد أخبر الشرطة أنه اتصل بالأصدقاء والمعارف والأقارب في تلك الليلة بحثًا عنها، لكنه لم يتصل برقم هاتفها أو شقتها الجديدة ولو لمرة واحدة!
حين واجهه المحققون بأن سجلات الهاتف الأرضي لمنزله الريفي خالية تماماً من أي مكالمات في توقيت الاختفاء، تمسك بإنكاره، مستغلًا ضعف تقنيات التحليل الجنائي في الثمانينيات للإفلات من العقاب، ليُغلق الملف ويُقيد ضد مجهول.
خيانة الذاكرة والتكنولوجيا
ظلت العدالة غائبة حتى عام 2022، عندما قرر فريق 'الجرائم الباردة' في مقاطعة واشنطن (أوريغون) إعادة فتح الجرح القديم.
استدعى المحققون 'بوب'، الذي شاخ واطمأن بأن جريمته دُفنت مع الزمن. وفي غرفة التحقيق، نصبوا له فخًا ذكيًا بإعادة سؤاله عن تلك المكالمات المفقودة عام 1988.
هنا، خانته ذاكرته، فغيّر روايته فجأة مدعياً أنه استخدم 'بطاقة اتصال مسبقة الدفع' (MCI Card) لإجراء المكالمات، وهي تفصيلة لم يذكرها قط في التحقيقات الأصلية.
لم يدرك بوب أن المحققين يعلمون أن استخدام تلك البطاقات في ذلك الوقت كان يتطلب إدخال سلسلة طويلة من الأرقام المعقدة، وهو أمر لا يفعله زوج 'مذعور' يبحث عن زوجته المفقودة، مما أكد للشرطة أنه يكذب لتغطية غيابه عن المنزل وقت الجريمة.
الأرض تشهد ضد صاحبها
لكن الضربة القاضية لم تأتِ من التناقضات اللفظية، بل من الأرض نفسها. أعاد مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) فحص عينات 'الطين' التي جُمعت قبل 37 عامًا من إطارات سيارة الضحية ومن حديقة منزل الزوج.
وبفضل التطور العلمي المذهل، أثبت الجيولوجيون الجنائيون ما عجزوا عنه في الماضي: الطين العالق بسيارة الزوجة المقتولة 'لا يمكن تمييزه' عن طين حديقة بوب من حيث التركيب المعدني والكيميائي، مما يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن سيارتها كانت في منزله ليلة القتل، رغم إنكاره التام لزيارتها له.
تزامنت هذه النتيجة مع اكتشاف تقنية 'اللمس' للحمض النووي، التي وجدت آثارًا لخلايا جلد بوب على ياقة معطف الضحية، في الموضع الدقيق الذي يُستخدم للخنق.
انتحار يخلط الأوراق
حاول فريق الدفاع عن بوب المناورة بذكاء، ملقياً اللوم على عشيق الضحية السابق، 'جون بيرسون'، مستغلين واقعة انتحاره المأساوية في ولاية أريزونا قبل أيام من بدء المحاكمة.
زعم الدفاع أن بيرسون انتحر شعورًا بالذنب، وأن حمضه النووي وُجد في تقرير التشريح.
لكن الادعاء العام فكك هذه الرواية، موضحًا أن انتحار بيرسون كان خوفًا من السجن بسبب قضايا أخرى، وأن الأدلة الظرفية والمادية كلها تشير لاتجاه واحد: الزوج الغيور الذي خشي أن يخسر حضانة طفلته، فقرر إنهاء حياة أمها والاحتفاظ بالطفلة لنفسه.
سقوط الصنم بعد عقود
وفي ربيع 2025، أسدل الستار على هذه الملحمة الإنسانية. لم يحتج المحلفون سوى لست ساعات ليقرروا أن 'الأب الحنون' هو في الحقيقة 'قاتل بدم بارد'.
أدين بوب أتروبس بالقتل من الدرجة الثانية، ليقضي ما تبقى من حياته خلف القضبان، حيث لن يكون مؤهلًا للإفراج إلا عندما يبلغ 93 عامًا.
وفي مشهد يفطر القلوب، وقفت الابنة 'ريانا' في المحكمة، ممزقة بين حبها لأبيها وحقيقة قتله لأمها، لتصرخ بصوت مخنوق: 'اليوم لا أبكي أمي فقط.. بل أبكي أبي الذي فقدته وهو لا يزال حيًا'.
انتهت القصة بانتصار العلم المتأخر، تاركًا عائلة ممزقة ودرسًا قاسيًا بأن الجريمة الكاملة وهم، وأن طين الأرض قد ينطق بالحقيقة ولو بعد حين.










































