اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٣ أب ٢٠٢٦
أحمد الغنام
لطالما شغل هذا السؤال نقاد الفنون والمهتمين بها: أين تكمن القيمة الحقيقية للعمل؟ أهو في جمال المادة وندرتها، أم في عبقرية الأداة وانتشارها؟ وبعيداً عن ثنائية التسليم المطلق للمادة أو الاستهانة بها، يمكننا النظر إلى الإبداع البصري بوصفه كائناً حياً يتغذى على شقين متلازمين: الرؤية الفكرية التي تمنح العمل روحه، والتقنية المادية التي تمنحه جسده ووجوده المحسوس.
الفكرة والفلسفة.. الروح التي تبث الحياة
لا تنبع القيمة المطلقة لعمل فني خالد من نوع القماش أو المواد المستخدمة، بل تنبع أساساً من العمق الإنساني والفلسفي الذي يحمله صاحبه؛ فالرسام يقف أمام مسطح ثنائي الأبعاد مستعيناً بالضوء والظل ليخلق عوالم تنبض بالحياة، بينما يتحدى النحات كتل الحجر أو الخشب ليغرس فيها الحركة والروح في فراغ ثلاثي الأبعاد، وهكذا مع اختلاف الأدوات والمدارس، يظل الفنان الحقيقي هو القادر على لمس وجدان المتلقي، مستخدماً أدواته كوسيط تعبيري لنقل شعور خالص يتجاوز حدود المادة البحتة.
القيمة الحقيقية للتقنية والمادة
في المقابل، يتطلب الموضوع الإقرار بأن الوسيلة والمادة ليستا «ظلاً باهتاً» فحسب، بل هي عنصر تكويني فاعل في صناعة الأثر الفني، وهذا ما يثبته تاريخ الفنون مراراً في أن الابتكار التقني واكتشاف مواد جديدة - مثل الانتقال من التمبرا إلى الألوان الزيتية في عصر النهضة، أو الثورة الرقمية في عصرنا المعاصر - لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل كان محركاً أساسياً لثورات بصرية وفكرية غيرت مجرى الفن؛ فالمادة والتقنية تملكان القدرة على إلهام الفنان، وتوسيع آفاق التعبير لديه، وجعل الأفكار المجردة قابلة للتلمس والتحقق بصرياً.
بين صانع التقنية ومبتكر الرؤية
يشهد المشهد الثقافي المعاصر إشكاليات واسعة في صناعة النجومية الفنية؛ فالنجومية المستدامة لا تصنعها المواد الباهظة أو الأساليب الاستهلاكية السريعة، كما سبق وأكدنا ذلك، بل تصنعها فرادة الفكرة وعمقها، والفنان الواعي يدرك أهمية الوعي الاستراتيجي بالتسويق والبيئة الحاضنة؛ فلا يعزل نفسه تماماً عن العالم منتظراً صدفة الاكتشاف، بل يسعى لتقديم إبداعه للجمهور المستهدف بطريقة تحفظ قيمته الفكرية، وهو ما يوازن بين الاحترافية الفنية والانتشار الواعي.
وتتجلى أسمى معاني الفن حين يمتلك صاحبه ثقافة ومفهوماً يرفض التكرار والاستهلاك، فحين يسير التيار العام في اتجاه مكرر، يأتي المبدع الأصيل ليقدم طرحاً يهز الثوابت البصرية، لترتفع بذلك قيمة العمل الفني وتلامس آفاقاً أبعد من الضجيج الإعلامي المؤقت، وقد يعيش بعض المبدعين في الظل زمناً طويلاً، لكن أفكارهم ورؤاهم المغايرة تظل حية ومؤثرة لتعيد صياغة الوعي الإنساني عبر التاريخ.
أخيراً..
يبقى «الفن» انعكاساً لروح إنسانية حرّة تتكامل فيها الفكرة مع الأداة، وحين ندرك أن الفنان هو القائد الحقيقي لرحلته، وأن التقنيات والمواد هي أدوات تمكّنه من تجسيد رؤاه، سنتمكن حينئذٍ من تذوق الجمال في أهدافه النبيلة وأبعاده الفلسفية والإنسانية العميقة.










































