اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
التآمر الإداري أكثر تعقيدًا مما نتصور، وقد يتحول لشبكة سرية عابرة للأجهزة والكيانات الحكومية، وتحديدًا عندما يتفق مسؤول في جهاز مع نظيره في جهاز آخر على استبعاد أحدهم أو وضعه على الرف لخدمة مصالح مشتركة بينهما، وهو تشوه إداري قديم يعود تاريخه إلى الإصلاحات البيروقراطية الرومانية عام 293 ميلادية..
نشرت مجلة هارفارد بيزنس ريفيو، بالتعاون مع معهد غالوب الدولي، تقريراً في بداية عام 2024، أكد أن قواعد الاشتباك الإداري لا تدار دائماً بالكفاءة والأمانة المطلوبة داخل الغرف المغلقة، وإنما بالمكائد والمؤمرات الذكية لتصفية الحسابات وإزاحة المنافسين، أو من يشكلون تهديداً على المسؤول الأعلى درجة. وتشير دراسة أسترالية، أجراها البروفيسور جون سويلر، أستاذ علم النفس بجامعة نيو ساوث ويلز، حول الحمل المعرفي الزائد، وتم نشرها في 1988، إلى أن قدرة العقل الإنساني على رصد الأخطاء في القرارات تنخفض بنسبة تتجاوز 60% إذا زاد عدد الأسماء المعروضة على 100 اسم، فالكثافة العددية تحدث حالة من العمى التنظيمي المؤقت لمتخذ القرار، وتقوده الى التوقيع والاعتماد التلقائي، دون مراجعة التفاصيل.
وما سبق يرتبط بالتآمر الإداري الذي يستخدم سلاح القوائم المئوية للتمويه على صناع القرار الإداري، في المملكة وفي غيرها، ومعها التحالفات السرية العابرة للأجهزة الحكومية، والتي يعرف أسوأ أشكالها باسم: متلازمة المسؤول المغادر، وتمثل مزاجاً انتقاميا يصيب المسؤول، عندما يتأكد أنه سيغادر منصبه بصورة نظامية، أو بالتقاعد أو نهاية التكليف، مع وجود بديل مؤهل يعلم أنه سيأخذ مكانه، وفي هذه الظروف لا يتحرك المسؤول بمفرده، وإنما بقوة دفع حاشيته وشبكة المصالح المحيطة به، والتي لا ترغب في أن يقوم هذا البديل بكشف تجاوزاتها ومكاسبها الشخصية، وبما أن المسؤول وحاشيته لا يستطيعون إلغاء قرار يتجاوز صلاحياتهم، فإنهم يلجؤون في البداية لسياسة التهميش والتطفيش، ويكون بتجريد البديل من صلاحياته الفعلية تماماً، وحجبه عن المعاملات المهمة والملفات الاستراتيجية، وهذا الحظر المدروس يتركه بلا مهام حقيقية، وكأنه معزول داخل زنزانة على شكل مكتب، ويستهدف ذلك إرباكه وإحباطه نفسياً، وتصويره أمام المرجعية الأعلى كشخص عاجز أو غير منتج، وأنه لم يقدم إضافة تذكر منذ تعيينه.
هذا التآمر الإداري أكثر تعقيدا مما نتصور، وقد يتحول لشبكة سرية عابرة للأجهزة والكيانات الحكومية، وتحديدًا عندما يتفق مسؤول في جهاز مع نظيره في جهاز آخر على استبعاد أحدهم أو وضعه على الرف لخدمة مصالح مشتركة بينهما، وهو تشوه إداري قديم يعود تاريخه الى الإصلاحات البيروقراطية الرومانية عام 293 ميلادية، عندما تحالفت شبكات المصالح والحاشية النفعية العابرة للأجهزة، في إحالة الأعمال الهامشية الى القيادات البديلة، لإظهارها بصورة سيئة أمام الامبراطور الروماني ديوكلتيانوس، وبمجرد ان ترفع السلطة يد الحماية عنها، لاعتقادها أنها عديمة الكفاءة تتحرك الحاشية فورا لحشر أسمائها في حزم المراسيم الجماعية الدورية، وإصدار قرارات إقصائها النهائي ممهورة بالتوقيع الامبراطوري.. وهذه الآلية تؤكدها دراسة نشرها معهد الإدارة العامة في الرياض عام 2021، فقد لاحظت أن 40% من البيئات غير المحوكمة يسيطر عليها الولاء الشخصي والشللية على حساب الجدارة، وهو ما يجعل التخلص ممن يشكلون خطراً على مصالح هؤلاء احتمالا واردا بدرجة عالية، وليس صعباً على الإطلاق.
الموظفة ليندا تريب عانت من سيناريو مشابه في 19 يناير 2001، فقد اعتبرتها الحاشية الإدارية خطرا على أمانها الوظيفي، فقامت -كإجراء أولي- بحظر صلاحياتها وعزلها، ثم تحالفت لإدراج اسمها ضمن قائمة استغناء مئوية، ترفع دوريا لتصفية العقود بوزارة الدفاع الأميركية أو البنتاغون.. وكشفت تحقيقات نزاهة السعودية، في الربع الأول من عام 2021، عن مباشرة جرائم استغلال نفوذ وفساد إداري ترتب عليها توقيف عشرات المسؤولين والموظفين في وزارات الصحة والبلديات والتعليم، ممن تورطوا في إصدار قرارات نقل وإعفاء كيدية بأسلوب يبدو نظاميًا في شكله الخارجي، لإقناع متخذ القرار، وإقصاء القيادات البديلة رغمًا عنها.
السابق تدعمه أرقام تقرير معهد التنمر الأميركي لعام 2021، فقد تبين أن 65% من حملات الإقصاء والتصفية المؤسسية تستهدف الموظفين الأكثر كفاءة ونزاهة، وهذه الأرقام تؤكدها مسوح الامتثال الإداري لهيئة الإحصاء السعودية في 2023، والتي وجدت أن واحداً من كل أربعة موظفين يرصد تعمد الحاشية الإدارية تهميش الكفاءات، وتشويه ما تقوم به من أعمال، عند الشعور أنها تمثل خطرا وجوديا عليها، ما يثبت أن تصفية القيادات البديلة ليست سلوكا عفويا، وإنما آلية دفاعية متكررة تمارسها تحالفات المصالح لحماية مكتسباتها.
سكوت الموظفين في بيئة العمل أمام تغوّل المسؤول وحاشيته الإدارية ضد القيادات البديلة، والتغافل عنها تماما طلبًا للسلامة، لن يعمل لصالحهم في نهاية الأمر، وهذا التشوه السلوكي وثّقته دراسة أميركية-سنغافورية نُشرت في مجلة دراسات الإدارة البريطانية عام 2003، فقد وجدت أن الموظفين داخل المنظمات الحكومية يختارون السكوت التام والانسحاب السلبي بفعل سيكولوجية الموظف المذعن، عند اطلاعهم على مؤامرات الإقصاء والتهميش الصامتة، والتي يشارك فيها مسؤول صاحب نفوذ واسع وحاشية متحكمة، وتوصلت دراسة بريطانية، نشرت في 2012، لعالم النفس السلوكي ديفيد لويس، الى أن واحدا من كل ثلاثة موظفين يفضلون التحول باختيارهم الى متفرجين صامتين أمام مشاهد تصفية الكفاءات لحماية مصالحهم الشخصية.
الذكاء البيروقراطي يصل الى نجاحه الكامل حين يتمكن من إصدار قرار سيادي يجرد القيادات البديلة من فرص المواجهة أو الاعتراض، لأن القرارات السيادية في فقه القانون السعودي لا تدخل في ولاية القضاء، ولا يمكن النظر فيها، أو قبول الطعن عليها، حتى في ديوان المظالم، أو ما يعرف حاليا بالمحكمة الإدارية، وبالتالي فإن الاكتفاء بمشاهدة ما يحدث للكفاءات وعدم الإبلاغ عنه يعتبر عملا لا مسؤولا، وتأثيراته المالية صعبة، والدليل ما أكدته مؤشرات الحوكمة الصادرة عن البنك الدولي في 2023 من ان هذ النوع من التصرفات يؤدي الى هدر تنموي وإنتاجي يزيد على 20%، والمعنى أن القبول بتهميش المؤهلين أو تصفيتهم وظيفيًا يضر بالاقتصاد الوطني لأي دولة.










































