اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٥ حزيران ٢٠٢٦
تهاني الخيال
قبل سنوات، استمعت إلى قصة موظفة ما زالت عالقة في ذهني حتى اليوم. كانت تتحدث عن عام كامل بذلت فيه كل ما تستطيع، لم تكن تبحث عن الثناء أو الأضواء، بل كانت تؤمن أن الإنجاز والنتائج هما اللغة التي يفهمها الجميع، كانت تبادر، وتتحمل مسؤوليات إضافية، وتتعامل مع نجاح الإدارة التي تعمل فيها وكأنه نجاح شخصي لها، ومع اقتراب نهاية العام، لم تكن قلقة بشأن تقييمها الوظيفي، فمن وجهة نظرها، كانت الإنجازات واضحة والنتائج تتحدث عن نفسها.
لكن عندما صدر التقييم، فوجئت بنتيجة أقل بكثير مما كانت تتوقع، اعتقدت في البداية أن هناك خطأ أو أن بعض ما قدمته لم يؤخذ في الاعتبار، فتقدمت بطلب إعادة نظر وانتظرت طويلًا أملاً في مراجعة الموضوع، لكن الرد جاء مختصرًا وحاسمًا: التقييم نهائي ولا يمكن تعديله.
عندما روت لي قصتها، لم يكن أكثر ما لفت انتباهي درجة التقييم نفسها، بل ما حدث بعدها، قالت إن الصدمة لم تكن في الرقم، بل في الشعور الذي تركه داخلها، شعور بأن عامًا كاملًا من الجهد لم يُرَ كما كانت تعتقد، وأن النتائج وحدها لم تكن كافية، وأن الاجتهاد لا يؤدي دائمًا إلى التقدير الذي يستحقه صاحبه. ومع مرور الوقت، فقدت شيئًا من الحماس الذي كانت تأتي به إلى العمل كل صباح، لم تعد تبادر كما كانت، ولم تعد تبحث عن التحديات نفسها، وأصبحت تؤدي المطلوب منها دون ذلك الشغف الذي كان يميزها. حينها توقفت أمام سؤال مهم: كم موظفًا خسرناه بهذه الطريقة؟ ليس لأنهم غادروا المؤسسة، بل لأنهم غادروها من الداخل وهم ما زالوا على رأس العمل.
ولعل ما جعلني أتوقف طويلًا أمام هذه القصة أنني لم أقضِ حياتي المهنية كلها في موقع الموظف فقط، بل تشرفت بتولي مناصب قيادية وإشرافية مختلفة، وكنت مسؤولة عن فرق عمل وتقييم أداء وتحقيق مستهدفات. ومن خلال هذه التجارب تعلمت أن أصعب القرارات التي يتخذها القائد ليست دائمًا القرارات المالية أو التشغيلية، بل تلك التي تتعلق بالناس.
فالنتائج مهمة بلا شك، لكن المؤسسات لا تُبنى بالأرقام وحدها، إنها تُبنى بالثقة والعدالة والشعور بأن الجهد يُقدَّر والإنجاز يُنصف. فالموظف الذي يشعر أن جهده لم يعد هو المعيار قد يتوقف عن المبادرة، وقد يقرر الاكتفاء بالحد الأدنى من الأداء، بينما تبدأ بعض الكفاءات في البحث عن فرص أخرى. أما المؤسسة، فقد لا تدرك حجم الخسارة إلا بعد سنوات عندما تكتشف أن بعض أفضل موظفيها لم يغادروا فجأة، بل فقدوا انتماءهم تدريجيًا.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين المحاباة والعلاقات المهنية، فالعلاقات المهنية ليست عيبًا ولا تهمة، بل هي جزء أساسي من نجاح أي منظومة. وخلال مسيرتي المهنية، أصبحت أكثر قناعة بأن نجاح المدير لا يعتمد على خبرته الفنية فقط، بل على قدرته على بناء جسور الثقة والتعاون داخل المؤسسة وخارجها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقات من وسيلة لخدمة العمل إلى معيار للحكم على الناس، أو عندما يصبح القرب الشخصي أكثر تأثيرًا من الأداء والنتائج، هنا لا تخسر المؤسسة العدالة فقط، بل تخسر ثقة موظفيها أيضًا.
ومن هنا، أرى أن تقييم الموظفين من أعظم المسؤوليات التي يتحملها أي قائد، فالتقييم ليس مجرد رقم يُمنح في نهاية العام، بل شهادة قد تؤثر على مستقبل الموظف وثقته بنفسه وفرصه المهنية. ولهذا جاء التوجيه الإلهي واضحًا حين قال سبحانه: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ، فالشهادة لا تكون في المحاكم فقط، بل في كل موقف يُطلب فيه من الإنسان أن يحكم بالعدل أو يقول الحق.
وفي زمن تتنافس فيه المؤسسات على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، لا تكفي الرواتب والمزايا وبرامج التدريب إذا غابت العدالة، فالموظف قد ينسى مكافأة حصل عليها، وقد ينسى دورة تدريبية حضرها، لكنه نادرًا ما ينسى موقفًا شعر فيه أن حقه ضاع أو أن جهده لم يُقدَّر كما ينبغي.
وبعد سنوات من العمل، أصبحت مقتنعة بأن المناصب تزول، والأنظمة تتغير، لكن أثر العدل يبقى، وأثر الظلم يبقى أيضًا. ولهذا فإن التقييم الوظيفي ليس نموذجًا إلكترونيًا يُعتمد في نهاية العام، بل أمانة عظيمة، ومسؤولية مهنية، وأخلاقية، وإنسانية. وقد ينسى الموظف الرقم الذي حصل عليه، لكنه لن ينسى أبدًا كيف جُعل يشعر به ذلك التقييم.










































