اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
ثمة اعتقاد شائع أن الإنسان المعاصر أكثر ذكاءً من أسلافه، وأن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه دليل على تفوقنا العقلي على الإنسان القديم. لكن هذا الاعتقاد ينطوي على إشكالية جوهرية، تتمثل في الخلط بين تراكم المعرفة وتطور الذكاء، وبين ما يمتلكه المجتمع من أدوات وما يمتلكه الفرد من قدرات عقلية.
فالإنسان الذي عاش قبل آلاف السنين لم يكن يمتلك جامعات أو مختبرات أو حواسيب، لكنه استطاع أن يتكيف مع بيئات قاسية، ويبتكر الأدوات، ويكتشف الزراعة، ويدجن الحيوانات، ويؤسس المدن، ويطور أنظمة الكتابة والحساب. ولم تكن هذه الإنجازات نتيجة عقل بدائي عاجز، بل ثمرة قدرات ذهنية على الملاحظة والتجريب والاستنتاج وحل المشكلات.
ولنتخيل إنسانًا عاش قبل عشرة آلاف سنة، كان عليه أن يميز النباتات الصالحة للأكل من السامة، ويتتبع حركة الحيوانات، ويتنبأ بتغيرات الطقس، ويحدد الاتجاهات دون خرائط أو أجهزة. إن بقاءه كان يتطلب مهارات معرفية معقدة، قد يعجز كثير من المعاصرين عن ممارستها دون الاستعانة بالتقنية.
وفي المقابل، يستطيع طفل معاصر استخدام هاتف ذكي يفوق في قدراته الحسابية ما امتلكته حضارات بأكملها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أكثر ذكاءً من إنسان عاش في العصور القديمة؛ فالطفل يستخدم نتاج معرفة تراكمت عبر أجيال متعاقبة، ولم يبتكرها بنفسه.
وهنا يبرز الفرق بين الذكاء بوصفه قدرة عقلية، والحضارة بوصفها حصيلة تراكمية للخبرات والمعارف. فنحن لا نبدأ حياتنا من النقطة التي بدأ منها أسلافنا، بل نولد داخل عالم ورثنا فيه إنجازاتهم، ثم نضيف إليها، وقد نخطئ حين ننسب لأنفسنا تفوقًا يعود في حقيقته إلى هذا التراكم التاريخي.
غير أن المقارنة نفسها تحتاج إلى حذر؛ فالذكاء مفهوم متعدد الأبعاد، ولا نملك اختبارات مباشرة نقيس بها القدرات العقلية للإنسان القديم. كما أن المهارات التي تتطلبها الحياة تختلف باختلاف البيئات والعصور، ولا يصح اتخاذ التفوق التقني معيارًا وحيدًا للحكم على القدرات الإنسانية.
ولعل المفارقة أن الإنسان المعاصر، رغم امتلاكه وسائل معرفية غير مسبوقة، أصبح أكثر اعتمادًا على الأدوات في أداء مهام كان أسلافه ينجزونها بذاكرتهم وخبرتهم المباشرة.
إننا نعيش في عالم أكثر تقدمًا، لكن ذلك لا يجعلنا بالضرورة أفرادًا أكثر ذكاءً.. فالحضارة لا تقيس مقدار ذكاء الإنسان وحده، بل تكشف أيضًا حجم المعرفة التي ورثها.
وربما كان غرور الإنسان المعاصر أنه ينظر إلى أسلافه من أعلى هرم حضاري لم يبنه وحده، وينسى أن الذين يقفون في الأسفل هم الذين وضعوا أساساته.










































