اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ أذار ٢٠٢٦
عبدالله آل عسوج
في كل موسم درامي تتكدّس الأعمال على الشاشات وكأننا أمام سباق أرقام لا سباق جودة. عناوين كثيرة وملصقات لامعة وأبطال معروفون، لكن ما إن يبدأ المشاهد في المتابعة حتى يصطدم بحقيقة واضحة: ازدحام بلا جدوى وتكرار بلا روح ونصوص درامية هشة لا تصمد أمام أول اختبار للمشاهدة الواعية.
وسط هذا الزحام برزت أعمال مثل شارع الأعشى وجاك العلم كنماذج مختلفة نجحت في لفت الانتباه. فقد اشتغلت هذه الأعمال على التفاصيل المحلية بصدق، فلامست وجدان المشاهد وقدمت عالمًا دراميًا يمكن الإحساس به والاقتراب منه. شخصياتها قريبة من الناس وحواراتها طبيعية وأحداثها تتطور بتدرج منطقي بعيد عن القفزات المصطنعة والمبالغات المفتعلة.
في المقابل نجد أعمالًا مثل يوميات رجل متزوج وغيرها تدور في الدائرة نفسها: صراخ ومبالغة في الأداء وحبكات مستهلكة يعاد تدويرها مرارًا. المشكلة ليست في الفكرة بحد ذاتها، بل في طريقة معالجتها. الفكرة الجيدة قد تضيع داخل نص ضعيف، بينما يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى عمل لافت إذا كُتبت بعمق ووعي درامي.
هذا التفاوت لا يقتصر على الدراما المحلية. بعض الأعمال العربية مثل أفراج وهي كيميا والكينج والمداح وننسى اللي كان والسوق الحرة تقع أحيانًا في فخ الإطالة والاعتماد على التشويق المصطنع بدل بناء عمق درامي حقيقي. هناك اختلاف في المستويات بالطبع، لكن المشكلة المشتركة غالبًا تتمثل في غياب النص القادر على صناعة حدث درامي متماسك بدل الاكتفاء بإثارة عابرة أو كوميديا عادية.
المشاهد اليوم لم يعد يبحث عن أعمال تنتج فقط لملء الخريطة البرامجية. هو يريد محتوى يواكب تطلعاته الفنية ويحترم وعيه ويقدم قيمة فكرية وجمالية. يريد أعمالًا تعكس تحولات المجتمع وتناقش قضاياه بذكاء بدل إعادة القوالب نفسها مع تغيير أسماء الشخصيات.
الأعمال التي نجحت في ترك أثر واضح اعتمدت على عناصر أساسية: نص درامي متماسك البناء وشخصيات حقيقية غير كرتونية وإيقاع متوازن بعيد عن الحشو واحترام واضح لعقل المشاهد.
حين يغيب النص القوي يتحول العمل إلى مشاهد متفرقة بلا روح، وحين يتكرر الأسلوب نفسه مرات كثيرة يفقد الجمهور شهيته للمشاهدة. الدراما ليست عدد حلقات ولا حجم ميزانية، بل فكرة تُكتب بصدق وتُنفذ بحرفية وتُقدَّم بشغف.
الحاجة اليوم تبدو واضحة إلى تحول هادئ يبدأ من الكتابة قبل الإنتاج ومن الفكرة قبل الصورة ومن العمق قبل الضجيج، لأن الفن الحقيقي لا يعيش بالزحام بل يعيش بالجودة.










































