اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
ارتبطت الأرقام منذ القدم بالصدق والدقة، واعتبرت لغة لا تعرف المجاملة أو تحتمل التضليل، ولكن اليوم تزداد أهمية النقاش حول «لغة الأرقام» في عالم تتشابك فيه مصالح الاقتصاديين مع تقارير الشركات وتطلعات المستثمرين، على فرضية أنها -أي الأرقام- عندما تدار، فأنها تدار بمهنية وشفافية وتبنى على معطيات ملموسة لتمنح رؤية عن الواقع؛ فالقطاع الخاص مثلاً يعتمد على التقارير المالية والمؤشرات الرقمية باعتبارها تمثل مرآة للحقيقة، وتؤدي دوراً محورياً لبناء الثقة وتعكس الأداء وتجذب التمويل، لكن المسافة بين الإفصاح المهني والتجميل المتعمد قد تكون أحياناً قصيرة، ولكنها خطيرة في انعكاساتها المالية والقانونية؛ ومن هنا تأتي حساسية هذا الموضوع، لأن الأرقام التي يفترض أن تكشف الحقيقة، يمكن أن تتحول إلى وسيلة تضليل تؤثر في قرارات المستثمرين والأسواق على حد سواء، إذا أسيء توظيفها.
فبينما يتفق الاقتصاديون على أن لغة الأرقام لا تكذب من حيث هي بيانات قابلة للقياس ورصد التقدم، لكن المشكلة تبدأ من لحظة دخول المصالح إلى مشهد القراءة والتفسير؛ وفي القطاع الخاص تحديداً، تتحول الأرقام إلى ساحة مفتوحة بين من يريد بناء ثقة أخلاقية ومستدامة مع السوق، ومن يتعامل مع التقارير باعتبارها منصة تسويق وتلميع وتلاعب وتوجيه؛ ولعل من أكثر العبارات تداولاً في الأوساط الاقتصادية هي أن «السوق يكره المفاجآت»، لكن أخطر المفاجآت هي تلك التي تكتشف متأخرة حين يتبين أن لغة الأرقام استخدمت ببراعة مقصودة لإخفاء هشاشة حقيقية، أو ستر إخفاقات وراء معطيات تبدو إيجابية، أو واجهة لامعة لمؤشرات انتقائية.
وفي عالم الشركات، لا يقتصر التعامل مع الأرقام على كشف الواقع، بل يمتد أحياناً إلى «هندسة» الواقع نفسه على الورق؛ ويمكن لمجلس إدارة أن يختار طريقة احتساب معينة تظهر الربحية في أفضل صورة، وأن يؤخر تسجيل بعض الخسائر أو يوزعها زمنياً لتبدو أقل وقعاً في تقرير سنوي موجه للمساهمين أو البنوك الممولة؛ وقد تضخم مؤشرات النمو عبر التركيز على فترة زمنية قصيرة مزدهرة، أو سوق محددة نامية، مع إغفال الأسواق الأخرى المتراجعة؛ وفي عالم التسويق، قد تستخدم نسب الرضا، وحصص السوق، ومعدلات التوسع، بطريقة انتقائية، بحيث تبرز الأرقام التي تخدم الصورة الذهنية المراد بناؤها، وتهمش الأرقام التي تنذر بالمخاطر أو تكشف سوء الإدارة.
وهنا تبرز الحاجة إلى بيئة حوكمة قوية، وثقافة تدقيق عالية ولا تكتفي بقراءة الصف الأخير في قائمة الأرباح والخسائر، بل تسأل عن السياسات المحاسبية المستخدمة، والفروض التي بنيت عليها التوقعات، وطبيعة المخاطر المحيطة بنموذج العمل؛ وعلى المستثمرين والمعنيين والجهات الرقابية أن يتعاملوا مع تقارير الشركات بوصفها نقطة بداية للأسئلة لا نهاية لها؛ فالأرقام الصادقة التي تعرض بمهنية وشفافية، وتمتد على مدى زمني كاف، وتقرأ في ضوء السياق التنافسي والاقتصادي الأوسع، تتحول إلى ركيزة ثقة واستقرار؛ أما الأرقام المجملة، فربما تمنح أصحابها مكاسب عابرة، لكنها في النهاية تعود على الشركة والسوق ككل بكلفة عالية حين تتكشف الفجوة بين الصورة المضللة والواقع الحقيقي، وتنهار معها ثقة طال ترميمها؛ ولهذا نقول تبقى لغة الأرقام أداة للوضوح لا وسيلة للتغرير، وجسراً نحو الوعي لا طريقاً للتمويه والتضليل.










































