اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٥
الرياض الثقافي
يشكّل كتاب فن البوح وترجمة الذات للدكتور محمد سعود الحمد إضافة لافتة إلى المكتبة العربية المعنية بفن السيرة الذاتية والكتابة الاعترافية، إذ يأتي في لحظة يتزايد فيها الاهتمام بكتابة التجربة الفردية ومساءلة الذاكرة وإعادة صياغة الذات عبر اللغة. ويقدّم هذا العمل رؤية متوازنة تجمع بين التأصيل الفكري وتتبع التحولات التاريخية، مستندًا إلى طيف واسع من الاقتباسات والمراجع والمقاربات النقدية، ما يجعل الكتاب أقرب إلى خريطة معرفية تتقاطع فيها أصوات المفكرين والأدباء حول معنى كتابة الذات وحدودها وغاياتها.
ولا يكتفي المؤلف بعرض المفاهيم أو التعريفات النظرية، بل ينفتح على نماذج عربية شكّلت حضورًا بارزًا في مجال السيرة الذاتية، مستكشفًا ما تكشفه هذه السير من مستويات الوعي والتجربة الإنسانية، وما تطرحه من أسئلة حول الصدق والتجميل، والبوح والصمت، والذاكرة والنسيان. وبقدر ما يدفع الكتاب القارئ إلى فهم المسار التاريخي للسيرة الذاتية العربية، فإنه يوقظه أيضًا إلى أن هذا الفن ليس مجرد سرد للحياة، بل محاولة لامتلاكها من جديد عبر الكتابة، أو ربما لإنقاذ ما يتبقى منها من الغياب.
يُعد هذا الكتاب محاولة واعية لإعادة الاعتبار لفن السيرة الذاتية بوصفه أحد أشكال التعبير الإنساني العميق، لا بوصفه سردًا للذكريات أو تجميعًا لحوادث متفرقة، بل باعتباره فعلًا للوعي، ومقاومة للنسيان، وتوثيقًا لمسار الإنسان في علاقته بالعالم وبذاته. ويستند الكاتب في بنائه إلى سلسلة واسعة من الاقتباسات والآراء التي تعود لكتّاب ومفكرين وأدباء عرب، استحضرهم ليكونوا شهودًا على هذا النوع من الكتابة التي تجمع بين الجرأة والصدق والحرج أحيانًا، وبين الحكمة والتجربة والتأمل.
ويقدّم الكتاب السيرة الذاتية باعتبارها نافذة تسمح للإنسان برؤية نفسه وهي تتشكل، وتتعثر، وتتقدم، وتنهزم وتنتصر. ويبرز من خلال النصوص أن كتابة الذات ليست عملية سردية فحسب، بل اختبارًا نفسيًا ووجوديًا يضع الكاتب أمام مرآة بلا تجميل. ويتكرر السؤال في أكثر من موضع: هل تُكتب السيرة كما حدثت؟ أم كما يتمنى صاحبها أن تُرى؟ وهل تكون الغاية منها الاعتراف أم التجميل أم البحث عن الخلود في ذاكرة القرّاء؟
وتكشف الاقتباسات الواردة عن اختلاف حاد في المواقف تجاه هذا الفن؛ فبعض المفكرين يرونه ضرورة معرفية وتاريخية ينبغي تشجيعها، إذ إنها تمنح للتاريخ وجهًا إنسانيًا لا تملكه الوثائق الرسمية، بينما يرى آخرون أن نشر التجربة الذاتية ضرب من التجرؤ الذي لا يحتمله المجتمع، أو خطوة قد تعيق الكاتب إذا لامست محظورات اجتماعية أو سياسية أو أخلاقية. ومع ذلك، فإن القارئ يشعر من خلال تنوع الأصوات أن هذا الفن بات جزءًا حقيقيًا من الحركة الأدبية العربية الحديثة، بعد أن كان في زمن مضى يُنظر إليه بتوجس أو استحياء.
وتظهر في الكتاب نماذج متعددة لسير ذاتية عربية شكلت معالم هذا الفن؛ من السير الفكرية التي تتعقب تشكل الوعي المعرفي عبر الزمن، إلى السير المهنية التي تروي مسار أصحابها في ميادين العلم أو الأدب أو التاريخ، مرورًا بالسير الاعترافية التي يكتب فيها أصحابها بقدر كبير من المكاشفة والشجاعة. ويشير الباحث إلى عدد من الأعمال التي أصبحت علامات في هذا المجال، ويعرض بشكل موجز قيمتها وموقعها في تطور السيرة الذاتية العربية، مع ما يتخلل ذلك من إشارات تاريخية وتوثيقية لطبعاتها وظروف تأليفها.
ويتحدد أسلوب الكتاب في كونه أقرب إلى صناعة مرجع مبني على انتقاء دقيق للنصوص التي تشكل مكتبة فكرية حول السيرة الذاتية، لا بوصفه دراسة تقليدية تقدم رأيًا واحدًا، بل بوصفه مساحة فكرية مفتوحة تتجاور فيها الأصوات دون أن يطغى صوت المؤلف عليها. ورغم هذا الطابع التوثيقي، فإن اللغة تأتي رشيقة واضحة، لا تخلو من حرارة التأمل وهدوء الفكرة.
إن هذا الكتاب يمثل إضافة نوعية للباحثين والمهتمين بفن السيرة الذاتية، وللكتاب الذين يفكرون في الاقتراب من هذا النوع الأدبي، وللقراء الذين يبحثون عن تجربة إنسانية مكثفة وصادقة. وهو يقدم بطريقة غير مباشرة دعوة إلى كتابة الحياة قبل أن تُسرق تفاصيلها بالصمت أو النسيان، وإلى إعادة اكتشاف الذات لا بوصفها موضوعًا للحكم، بل بوصفها طريقًا للفهم.










































