اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ نيسان ٢٠٢٦
خلود القاضي
المشهد لم يعد يحتاج إلى قراءة عميقة؛ كل شيء بات مكشوفًا حدّ الابتذال. كاميرا مفتوحة، طلب مباشر، وتعليمات تتكرر بإيقاع يومي: «كبّسوا.. كبّسوا». لا محاولة لإخفاء الفكرة، ولا ادعاء بوجود محتوى حقيقي. ما يحدث أقرب إلى بث مستمر يُدار كمنظومة لجمع الأموال، تعتمد على تحريك العاطفة لا تقديم القيمة.
بعض مشاهير المنصات تجاوزوا دور «التأثير»، ودخلوا مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة الاستنزاف. استنزاف للانتباه، للمشاعر، وللأموال. كل تفصيلة قابلة للتحويل إلى دخل؛ قصة شخصية تُروى بعناية، نبرة صوت تُخفض في اللحظة المناسبة، انفعال محسوب بدقة، ثم يبدأ العدّاد.
لم يعد الأمر مرتبطًا بالدعم، بل بنظام ضغط متكامل. معادلة غير معلنة لكنها واضحة: إذا كنت تتابع، فأثبت ولاءك. إذا كنت تحب، فادفع. وإذا صمتّ، فأنت خارج المشهد. بهذه البساطة، يتحول المتابع من جمهور إلى محفظة، تُستدعى عند الحاجة.
المفارقة أن هذا السلوك لا يواجه برفض حقيقي، بل يُكافأ. الأرقام ترتفع، الأرصدة تتضخم، وثراء يُبنى علنًا أمام الجميع، مدفوعًا بردود فعل عاطفية أكثر من كونه نتيجة قناعة أو تقدير لقيمة. وهنا يتبدل تعريف «صانع المحتوى»، ليتحول بعضهم إلى نموذج رقمي من «الطلب الاحترافي»، يُدار بذكاء تسويقي عالٍ.
لم يعد السؤال: هل يطلب؟ بل كيف يطلب؟ متى يخفض صوته؟ متى يكرر العبارة؟ متى يصمت انتظارًا للهدايا؟ الأداء محسوب، التوقيت مدروس، والطلب نفسه أصبح تكتيكًا يوميًا، أقرب إلى برنامج مدفوع، لكن بلا منتج.
في أي سوق طبيعي، يُدفع المال مقابل قيمة واضحة. لكن في هذا النموذج، يُدفع مقابل شعور. شعور يُصنع بعناية، ويُعاد تدويره حتى يصبح استجابة تلقائية لدى المتابع. وهنا تنقلب المعادلة: من تأثير إلى استغلال، ومن محتوى إلى استنزاف.
غير أن الصورة لا تكتمل دون الطرف الثالث: الشركات. في كثير من الحالات، لا يتم اختيار المؤثر بناءً على جودة ما يقدمه أو مدى انسجامه مع هوية العلامة، بل وفق معيار واحد: حجم التفاعل، حتى لو كان هذا التفاعل قائمًا على «طلب المال». وهكذا، تتحول القدرة على الاستجداء إلى مؤشر أداء.
عندما تستثمر علامة تجارية في هذا النموذج، فهي لا تشتري مساحة إعلانية فقط، بل تمنح شرعية لسلوك كامل. سلوك يختصر الطريق: لا حاجة لبناء قيمة، يكفي أن تطلب بإلحاح. والنتيجة سوق يكافئ الضجيج بدل الجودة، والعاطفة بدل الاحتراف، واللحظة بدل الاستدامة.
العلامات الأكثر وعيًا تدرك أن الأرقام وحدها قد تكون مضللة. فالمتابع الذي يدفع تحت الضغط ليس عميلًا حقيقيًا بالضرورة، والتفاعل الناتج عن الإلحاح لا يصنع ولاءً طويل الأمد، بل لحظة عابرة سرعان ما تتلاشى.
في النهاية، لم تعد القضية فردية. نحن أمام منظومة متكاملة: صانع يطلب، جمهور يدفع، وشركات تموّل هذا المشهد وتعيد إنتاجه. السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا يطلبون؟ بل: لماذا ما زال الجمهور يدفع؟ ولماذا تستمر الشركات في الاستثمار في نموذج كهذا؟
حين تتحول «كبّسوا» إلى نموذج عمل، فالمشكلة لا تقف عند من يطلب، بل تمتد إلى من يدفع، ومن يموّل هذا الطلب.










































