اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ أب ٢٠٢٦
طلحة الأنصاري
في مكة المكرمة، وفي يوم واحد، اجتمع مشهدان لكل منهما لغته ودلالته. على منبر المسجد الحرام، كانت خطبة الجمعة تتحدث عن الأخوة والتلاحم والتعاون، وتذكّر بأن «قوة الأمة في تماسكها، وضعفها من تفرقها».
وعلى مقربة من الحرم، كانت المملكة وتركيا وباكستان تضع هذه الجمعة في الذاكرة السياسية بتوقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك».
كان قادة الدول الثلاث بين المصلين في المسجد الحرام، يستمعون إلى الشيخ الدكتور فيصل غزاوي وهو يؤكد أن الأخوة ليست مجرد دعوى، وأن التعاون حاجة لا تنقطع، وأن التلاحم بين المسلمين أساس للقوة.
وبعد الصلاة، انتقل المشهد من رحاب الحرم إلى قصر الصفا، حيث وقّع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف اتفاقًا يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.
ليس من الضروري البحث عن رابط سياسي مقصود بين الخطبة والاتفاق، يكفي أن التزامن منح ذلك اليوم رمزية استثنائية: منبر يتحدث عن التماسك، وقمة تترجم إرادة ثلاث دول في بناء مظلة للدفاع المشترك.
اتفاق مكة ليس موجهًا ضد أي دولة أو طرف، هذه نقطة البداية في فهمه، بعيدًا عن محاولات إسقاطه على خصومات المنطقة أو إدخاله في حسابات الاستقطاب، نص الاتفاق واضح في طبيعته الدفاعية، وفي غايته المتمثلة في تعزيز الأمن المشترك ودعم السلام والاستقرار، مع قاعدة ردع صريحة تعتبر أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا.
وهنا تكمن القيمة السياسية للاتفاق، فالدول لا تبني الردع رغبة في الحرب، وإنما لتقليل احتمالاتها، وكلما كانت الالتزامات الدفاعية أكثر وضوحًا، ارتفعت كلفة الاعتداء وتراجعت فرص المغامرة.
وبهذا المعنى، لا يضيف اتفاق مكة تحالفًا جديدًا إلى خرائط الصراع، بقدر ما يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة الاستقرار.
ومما يجب فهمه أن الاتفاقية لاتقف عند مبدأ الدفاع عن أي طرف يتعرض لاعتداء، فالشق الآخر، وربما الأطول أثرًا، يتعلق بتطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي، وهذا يفتح مساحة واسعة لتبادل الخبرات، ورفع مستوى التنسيق، وتطوير القدرات، وبناء قدر أكبر من التكامل بين ثلاث دول تمتلك تجارب وإمكانات دفاعية مهمة.
أما اختيار مكة، فيمنح الاتفاق اسمه ورمزيته، لكنه يمنحه أيضًا رسالة تتجاوز الجغرافيا السياسية، فالاتفاق الذي وُقّع في المدينة التي تتجه إليها وجوه المسلمين كل يوم، وبين دول تربطها روابط تاريخية وأخوية ومصالح إستراتيجية، يقدم التعاون بوصفه أداة لحماية الاستقرار، لا بوابة إلى مواجهة جديدة.. ولهذا كانت «جمعة اتفاق مكة» لافتة في تفاصيلها.










































