اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أيار ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
تنظيم حشود الحجاج لا بد أن ينتقل من الإدارة بالعضلات والانتدابات المبالغ فيها، إلى الإدارة بالعقول والحلول الرقمية، وبميزانيات محدودة ومعقولة، وهذا سيضمن إدارة صامتة واحترافية لموسم الحج، تعطي الحجاج ما يحتاجونه من سكينة وهدوء لأداء الفريضة، وتضيف عليها ميكنة مطلوبة للحج، وترشيدًا للإنفاق، ودعمًا لمشروعات الحج الأخضر..
سيبدأ موسم الحج لهذا العام يوم الاثنين 25 مايو الجاري ولمدة ستة أيام، حسب تقويم أم القرى، ولعله يختلف عن سابقيه، فمن يحاولون الحج بصورة غير نظامية، وباستغلال تأشيرة الزيارة، لن يتمكنوا من ذلك، ليس بفعل العقوبات التي تصل لدرجة الترحيل الفوري، والمنع من دخول الأراضي السعودية لعشرة أعوام، وإنما بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، لأن بطاقة نسك الذكية التي تصدرها السلطات في المملكة، تعتبر بمثابة المفتاح الرقمي الوحيد لدخول المشاعر، وبدونها لن يستطيع أحد تجاوز نقاط التفتيش، أو دخول المخيمات المكيفة، أو استخدام قطار المشاعر، أو التسجيل في الحملات النظامية، والعقوبات السابقة لم تأتِ من فراغ، والدليل أن وزارة الصحة السعودية أعلنت في حج 2024 وفاة أكثر من ألف ومئة حاج، و83 % من هؤلاء، مثلما أوضحت، كانوا من غير المصرح لهم بالحج، وقد أُعيد نشر النسبة ذاتها في دراسة بمجلة الطب الوقائي السعودية في يوليو 2025، وتم إرجاع أسباب الوفاة إلى السير لمسافات طويلة، وتحت أشعة شمس مباشرة تصل إلى 51,8 درجة مئوية.
إلا أن ما يهمني في الحج -كباحث ومختص- هو إدارة الحشود، ويمكنني القول وبثقة إنها تغيرت كثيراً هذه الأيام، فقد أصبحت المسارات مبرمجة زمنيا لكل فوج من الحجاح، والمعنى أن البوابات الإلكترونية، ترفض دخول الحاج في غير وقته ميكانيكاً، وتم مؤخراً اعتماد تقنية النمذجة الرياضية، التي تتوقع التكدس قبل حدوثه بـ15 دقيقة، وتغير مسارات الحجاج بناء عليه، بتوظيفها اللوحات الإرشادية الذكية، والشاهد دراسة نشرها معهد أبحاث الحج بالتعاون مع خبراء في سدايا، في مارس 2026، ورود فيها أن 70 % من قرارات توجيه الحشود، وفتح المسارات أو إغلاقها، تنفذ حالياً بطريقة آلية، وبواسطة خوازميات منصة (بصير)، المملوكة والمطورة من قبل سدايا، والخوازميات تقوم بتحليل الكثافة واتخاذ القرارات بشكل لحظي، مستعينة بآلاف المستشعرات والكاميرات الذكية، وكلها تقدم خرائط حرارية لأماكن التكدس، وتعمل على جدولة التفويج الذكي، بدون اللجوء لصيحات رجال الأمن وميكرفوناتهم الكلاسيكية، أو صعودهم على الحواجز الإسمنتية لتنظيم الحركة.
زيادة على ما سبق، وفي دراسة نشرها معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات الأميركي، بالتعاون مع مركز التميز في ذكاء إدارة الحشود بجامعة الملك عبدالعزيز عام 2025 وحدثت في 2026، ما يؤكد انتقال التحكم فيها من السيطرة البشرية إلى الإدارة الذكية، وأنها تتحرك بناءً على أوامر من خوازميات التدفق المرن، التي تختار المسارات وبدائلها في حالات التكدس، وبدون تدخلات بشرية، وأثبتت الدراسة نفسها أن الاستعانة بالكاميرات الذكية لمنصة بصير، قلصت الحاجة لأفراد الأمن في كل نقطة بنسبة 60 %، وأنه بالإمكان الاستفادة من خدماتهم كفرق تدخل سريع، وتحديداً في حالات الطوارئ والأزمات الأمنية، وأتفق تماماً مع هذا الطرح، وكنت من المطالبين به، وقد عملت على مشروع حوله اسمه: راصد، بمشاركة باحثين في وادي مكة للتقنية بجامعة أم القرى، أواخر فبراير 2016، والسابق نشرته صحيفة الاقتصادية في صفحتها الأولى.
استنادا لأرقام هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية: إكسبرو، في تقريرها عن التحول الرقمي في الحج، المنشور في أبريل 2026، فإن الانتداب البشري التقليدي يكلف في المتوسط 150 مليون ريال، أو 40 مليون دولار، في حين لا يحتاج نظام الحلول الرقمية إلا لـ30 مليون ريال، أو ثمانية ملايين دولار، والسابق يوفر على الدولة 120 مليون ريال، أو 32 مليون دولار، بجانب 80 % من ميزانية التشغيل الميداني لكل وحدة إدارية تتم أتمتتها، والأهم أن كلفة بناء التقنية تدفع لمرة واحدة، بينما تمثل الانتدابات إنفاقاً سنويا متكررا، لا يترك أثرا مستداما، والمفروض استثمار الفائض في البنية التحتية المستدامة، كتبريد الطرق والحافلات الكهربائية.. وجاء في دراسة نشرتها جامعة الملك عبدالعزيز بالتعاون مع معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج عام 2025، أن كلفة الانتدابات في الحج، مثل السكن والإعاشة والنقل، تمثل عبئا ماليا يمكن خفضه بنسبة 50 % بتوظيف الأتمتة، وأوصت بالاستغناء عن الوظائف الرقابية التقليدية لصالح الرقابة الرقمية.
الشيء الآخر هو الاختناق الحراري، فقد نشرت مجلة التنمية المستدامة الكندية في 2024، أن الحافلات في مرحلة التصعيد لمشعر منى تبقى متوقفة وفي وضع التشغيل لساعات حتى لا توقف عمل أجهزة التكييف بداخلها، ما يحول الشوارع إلى أفران تتحرك فيها الحشود، بخلاف أنها تستهلك مبالغ مالية ضخمة، لتأمين الوقود اللازم، ومعه أجور آلاف السائقين والفنيين، ولا يحدث هذا عند التحول إلى أسطول النقل الذكي ذاتي القيادة، الذي يعمل بالكهرباء، وهذه الفكرة سيبدأ تطبيقها بشكل محدود في الحج الحالي، ولا يلزمها إلا مهندس أنظمة واحد مقابل كل 50 سائقا وفنيا.. وتحويل أماكن انتظار حافلات الديزل إلى نقاط شحن أرضية للحافلات الكهربائية، لضمان استمرار التكييف، سيخفض من ظاهرة الاختناق الحراري في المناطق المزدحمة، وبنسبة لا تقل عن 40 %، والأمر متعارف عليه دولياً، ويسمونه: كهربة الدعم الأرضي، وطبق فعلياً في مطارات عالمية، وفي مناطق تجمع كبرى.
تنظيم حشود الحجاج - في رأيي - لا بد أن ينتقل من الإدارة بالعضلات والانتدابات المبالغ فيها، التي ترفع معدلات الضوضاء والزحام والاختناق الحراري، إلى الإدارة بالعقول والحلول الرقمية، وبميزانيات محدودة ومعقولة، وهذا سيضمن إدارة صامتة واحترافية لموسم الحج، تعطي الحجاج ما يحتاجونه من سكينة وهدوء لأداء الفريضة، وتضيف عليها ميكنة مطلوبة للحج، وترشيدًا للإنفاق، ودعمًا لمشروعات الحج الأخضر، ولن أتكلم عن الحجاج المخالفين لأنهم تحت السيطرة.










































