اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
الجبيل الصناعية - إبراهيم الغامدي
يشهد سوق البيتكوين في هذه المرحلة حالة لافتة من التوازن الإيجابي، حيث ينجح السعر في الاستقرار فوق مستوى 96 ألف دولار بعد تسجيله قمة قريبة من 97,800 دولار، وهي الأعلى منذ نحو شهرين.
وقالت رانيا جول، كبير محللي الأسواق لدى إكس أس دوت كوم لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من وجهة نظري، فإن هذا السلوك السعري لا يعكس مجرد حركة مضاربية قصيرة الأجل، بل يشير إلى تغير أعمق في بنية الطلب، خصوصًا مع عودة الزخم المؤسسي بشكل واضح. فالثبات فوق هذه المستويات المرتفعة نسبيًا يعكس قبولًا سعريًا جديدًا من قبل شريحة واسعة من المستثمرين، وهو عامل غالبًا ما يسبق مراحل توسع سعري أكثر استدامة.
وأحد أبرز المحركات في هذا المشهد هو الارتفاع القوي في تدفقات صناديق المؤشرات المتداولة الفورية المدرجة في الولايات المتحدة، والتي سجلت نحو 843.6 مليون دولار في يوم واحد، ولليوم الثالث على التوالي من التدفقات الإيجابية. وهذه الأرقام لا يمكن التعامل معها كبيانات عابرة، بل تمثل مؤشرًا مباشرًا على عودة الثقة المؤسسية بالبيتكوين كأصل استثماري قابل للإدماج ضمن المحافظ طويلة الأجل. المؤسسات عادة لا تدخل السوق بدافع اللحاق السريع بالموجات، بل تبني مراكزها تدريجيًا بناءً على توقعات أوسع تتعلق بالسيولة العالمية، والسياسات النقدية، ودور الأصول البديلة في التحوط من المخاطر.
من منظور اقتصادي، يتزامن هذا التدفق المؤسسي مع مرحلة حساسة في الأسواق العالمية، حيث تتزايد الشكوك حول مسار أسعار الفائدة الحقيقية، ومستقبل التضخم، واستدامة الديون السيادية. في مثل هذه البيئات، يزداد الإقبال على الأصول التي يُنظر إليها على أنها محدودة العرض أو غير خاضعة لسياسات نقدية مركزية مباشرة، وهو ما يعيد تسليط الضوء على البيتكوين. لذلك، فإن استقرار السعر فوق 96 ألف دولار يعكس، تسعيرًا جزئيًا لهذه المخاوف وليس فقط رهانات قصيرة الأجل على الصعود.
في الوقت ذاته، يوفر سوق المشتقات، وتحديدًا سوق الخيارات، نافذة مهمة لفهم المزاج الحقيقي للمستثمرين. البيانات التي تُظهر تركز تداولات الخيارات حول سعر تنفيذ 100 ألف دولار تعكس بوضوح ميلًا صعوديًا على المدى القريب. هذا السلوك يدل على أن المتداولين يرون في هذا المستوى هدفًا منطقيًا للاختبار، مدفوعًا بزخم السيولة وتوقعات الاختراق النفسي. ارتفاع علاوات خيارات الشراء يؤكد أن السوق مستعد لدفع تكلفة أعلى مقابل التعرض لاحتمالات الصعود، وهو ما يحدث عادة عندما تتشكل قناعة عامة بقرب حركة سعرية مهمة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل الإشارات الأكثر حذرًا التي تظهر في آجال الاستحقاق الأطول. فقيام بعض المستثمرين ببيع خيارات الشراء عند ارتفاع العلاوات يعكس، نظرة أكثر واقعية تجاه التحديات التي قد تواجه البيتكوين بعد الوصول إلى مستوى 100 ألف دولار. هذا السلوك يوحي بأن السوق، رغم تفاؤله قصير الأجل، لا يزال غير متيقن من القدرة على تثبيت السعر فوق هذا الحاجز النفسي لفترة طويلة دون محفزات إضافية أقوى، سواء على صعيد التدفقات أو على صعيد البيئة الاقتصادية العامة.
ومن زاوية التحليل المرتبط بالسلوك المؤسسي، أن مستوى 100 ألف دولار يمثل أكثر من مجرد رقم دائري جذاب. إنه مستوى تتقاطع عنده اعتبارات نفسية، وتاريخية، واستثمارية. اختراقه قد يجذب موجة جديدة من المستثمرين الأفراد، ويعزز التغطية الإعلامية، لكنه في الوقت نفسه قد يدفع بعض المؤسسات إلى جني الأرباح أو إعادة موازنة مراكزها. لذلك، أتوقع أن يكون أي اقتراب من هذا المستوى مصحوبًا بارتفاع في التقلبات، حتى لو ظل الاتجاه العام مائلًا للصعود.
وعلى المدى المتوسط، تعتمد قدرة البيتكوين على الحفاظ على مسار صاعد، بشكل أساسي على استمرارية التدفقات إلى صناديق المؤشرات المتداولة، وليس فقط على نشاط المشتقات. إذا استمرت هذه التدفقات بنفس الوتيرة أو تسارعت، فقد نكون أمام مرحلة إعادة تسعير أوسع للبيتكوين، تتجاوز مجرد اختبار مستوى 100 ألف دولار نحو نطاقات أعلى. أما في حال تراجع الزخم المؤسسي، فقد نشهد حركة تصحيحية صحية تعيد اختبار مناطق الدعم دون أن تُغيّر بالضرورة الصورة الإيجابية العامة.
في النهاية، يمر السوق بمرحلة انتقالية مهمة، حيث يتحول البيتكوين بشكل متزايد من أصل عالي المضاربة إلى أداة استثمارية تحظى باعتراف مؤسسي أوسع. الاستقرار فوق 96 ألف دولار، مقرونًا بتدفقات قوية وثقة واضحة في سوق الخيارات، يدعم سيناريو اختبار مستوى 100 ألف دولار في الأجل القريب. ومع ذلك، فإن الاستدامة فوق هذا المستوى ستظل مشروطة بعوامل أعمق تتعلق بالسيولة العالمية وسلوك المستثمر المؤسسي، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ملامح الاتجاه طويل الأجل للبيتكوين.










































