اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ أب ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
للغتنا العربية في نفوسنا مكانةٌ عظيمة، فهي هويتنا، وعنوان انتمائنا، وثقافتنا، وذاكرة تاريخنا، وبها نعتز ونفخر، ويكفي العربية شرفاً وفخراً أن الله جلّ وعلا اختارها لغةً لكتابه الكريم، فقال سبحانه: 'إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون'.
ولعل ما استوقفني في هذا الشأن حوار سمعته مصادفةً في أحد المجمعات التجارية بين أفراد إحدى العائلات، وكان حديثهم يدور حول تفاصيل يومية عادية، غير أن اللافت فيه أن العربية كانت تتراجع بين جملة وأخرى، لتحل محلها عبارات إنجليزية لا تستدعيها حاجة ولا يقتضيها سياق، فتقول إحداهن Actually، فترد الآخرى Exactly، وتستهل ثالثة حديثها بـ By the way، ثم تتوالى المفردات الإنجليزية في حديث كان يمكن أن يجري كاملاً بالعربية.
وليس الاعتراض هنا على كلمة أجنبية عابرة، ولا على الحديث بالإنجليزية حين تقتضيه الدراسة أو العمل أو التواصل مع غير الناطقين بالعربية، فاللغات مفاتيح للمعرفة، وإتقانها مكسب ومهارة نحتاج إليها. لكن ما يستحق التأمل أن اللغة الإنجليزية أصبحت عند بعض الشباب والشابات مظهراً اجتماعياً يظنون أنه دليل على التحضر والرقي والمكانة، حتى ليبدو أحياناً وكأن العربية أقل أناقة، أو أن كثرة المفردات الأجنبية تمنح المتحدث قدراً أكبر من الثقافة والوجاهة.
وهذه الممارسات -ولله الحمد- لا تمثل غالبية شبابنا، ولا يصح تضخيمها بوصفها ظاهرة عامة، لكنها بدأت تتسلل إلى المقاهي والمجمعات واللقاءات الاجتماعية، وإلى بعض بيئات العمل والمجالس الأسرية، فإتقان اللغة الإنجليزية مهارة مطلوبة، أما استخدامها استعراضاً في غير موضعها فليس دليلاً على ثقافة ولا عنواناً للرقي.. فالمسألة في جوهرها أعمق من كلمة إنجليزية، بل في نظرتنا إلى لغتنا، ومن ثم بنظرتنا إلى هويتنا، فاللغة العربية ليست مجرد أداة نتبادل بها الحديث، بل وعاء لتاريخ أمة، وذاكرتها وثقافتها ووجدانها، وجزء أصيل من هويتنا الوطنية، وهي فوق ذلك كله لغة القرآن الكريم، قال تعالى: 'بلسان عربيّ مبين'.
والعربية لغة ذات تراث عظيم وثراء بياني مدهش، اتسعت عبر تاريخها للفقه والفلسفة والطب والفلك والأدب والشعر، ولا تزال قادرة على استيعاب لغة العلم والمعرفة ومفردات العصر.. لذلك فإن الاعتزاز بها لا يعني رفض الإنجليزية، ولا الانغلاق عن العالم، بل يعني ألا نستعير من لغة أخرى شعوراً زائفاً بالمكانة على حساب لغتنا الأم. وما ينبغي أن يقلقنا حقاً هو أن يتسلل إلى وعي الأجيال القادمة تصور مفاده أن الإنجليزية لغة الرقي والنجاح والطبقات المتعلمة، بينما العربية أقل اتصالاً بالحداثة والتقدم، فإذا استقر هذا التصور في النفوس، لم تعد القضية قضية ألفاظ، بل أصبحت قضية 'هوية وانتماء وثقة بالذات'، فالإنسان الذي يستصغر لغته الأم، يستصغر شيئاً من ثقافته وذاكرته وجذوره.
وعلينا أن نفرق بوعي بين تعلم الإنجليزية واتخاذها مظهراً اجتماعياً، فليتعلم شبابنا الإنجليزية وليتقنوها، وليتعلموا معها لغات أخرى، وليستخدموها في الجامعات والبحوث والمؤتمرات والأعمال والسفر والتواصل مع العالم، فكل لغة جديدة نافذة إلى معلومات جديدة.
وهنا تتعاظم مسؤولية الأسرة والتعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية في ترسيخ الاعتزاز باللغة العربية، وربطها في أذهان الأجيال بالمعرفة والإبداع والمستقبل، وتعزيز حضورها بوصفها لغة حية عظيمة، لا أثراً من الماضي.. ولسنا مطالبين أن نختار بين العربية والإنجليزية، فالمسألة ليست صراعاً بين لغتين، وإنما وعي بقيمة كل لغة ومكان استخدامها.
فلنتعلم لغات العالم، ولننفتح على ثقافاته وعلومه، ولكن من دون أن نضع لغتنا في مرتبة أدنى. فالعربية تحمل اسمنا وهويتنا وأصالتنا وذاكرتنا، وبها نقول للعالم، بكل فخر واعتزاز: (نحن عرب.. وهذه لغتنا العظيمة).










































