اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٩ حزيران ٢٠٢٦
علي الخالدي -
كشف جهاز حماية المنافسة، في دراسة ميدانية وتحليلية شاملة، عن اختلالات جوهرية في قطاع الجمعيات التعاونية بالكويت، أحد أكبر قطاعات التجزئة الاستهلاكية في البلاد، والذي تتجاوز مبيعاته السنوية 1.2 مليار دينار، عبر أكثر من 74 جمعية رئيسية ومئات الفروع.
وأظهرت الدراسة أن السوق يعاني تشوهات سعرية، وممارسات تحدُّ من المنافسة، بما ينعكس سلباً على المستهلكين والموردين على حدٍّ سواء.
كما رصدت الدراسة فجوةً كبيرةً بين أسعار المنتجات في أسواق الجملة والمزادات الرسمية، مثل شبرتي الفروانية والوفرة، وبين أسعار البيع داخل الجمعيات التعاونية.
وأوضحت أن انخفاض أسعار الجملة لا ينعكس بصورة مماثلة على المستهلك النهائي، بسبب ثبات الأسعار داخل الجمعيات ومقاومتها للانخفاض. وفي مثال موثَّق بتاريخ 14 أبريل 2025، بلغ متوسط سعر صندوق الطماطم في المزاد 875 فلساً، بينما بيع للمستهلك في إحدى الجمعيات بسعر 2.365 دينار، ما يمثل فارقاً تجاوز %170.
وأشارت الدراسة إلى أن بعض الجمعيات تستفيد من وضعها السوقي المهيمن، نتيجة محدودية البدائل المتاحة للمستهلكين والدعم الحكومي الذي تحصل عليه، ما أسهم في ترسيخ ممارسات احتكارية. ومن أبرز هذه الممارسات منح موردين كبار صلاحيات واسعة لإدارة الرفوف وتوزيع مساحات العرض، الأمر الذي يضعف فرص الشركات المنافسة، ويحدُّ من حضور المنتجات المحلية ومشروعات الأعمال الصغيرة والمتوسطة.
وعلى صعيد المستهلك، أظهرت نتائج الاستبيانات تراجع مستويات الرضا عن عدالة الأسعار، خصوصاً للمنتجات الطازجة، إضافة إلى ضعف شفافية المعلومات السعرية وصعوبة المقارنة بين الخيارات المتاحة. كما لفتت الدراسة إلى بطء وتيرة التطوير والابتكار في القطاع التعاوني مقارنةً بالأسواق المركزية التابعة للقطاع الخاص، التي حققت تقدماً أكبر في تحسين تجربة التسوق والخدمات الرقمية.
وفيما يلي التفاصيل:
في دراسة حكومية لافتة تضع قطاع التجزئة الاستهلاكية في البلاد أمام استحقاق تصحيحي وتاريخي، فتح جهاز حماية المنافسة الصندوق الأسود لقطاع الجمعيات التعاونية في الكويت.
وكشف الجهاز، في دراسة ميدانية وتحليلية شاملة حديثة تحت عنوان «استقصاء أسواق الجمعيات التعاونية في دولة الكويت.. المنافسة ووصول الموردين وأثرها في المستهلك» عن ممارسات احتكارية صارخة وهياكل تشغيلية مشوهة للأسعار، تضر مباشرة بجيوب المستهلكين وبتكافؤ الفرص في نفاذ الموردين إلى الأسواق.
وتكشف الدراسة أن القطاع التعاوني في الكويت تتجاوز مبيعاته السنوية الإجمالية حاجز 1.2 مليار دينار، وينتشر جغرافياً عبر أكثر من 74 جمعية تعاونية رئيسية بمئات الفروع والأسواق المركزية.
وأظهرت الأرقام التحليلية للدراسة فجوةً صارخةً وتشوهاً سعرياً بين أسواق المنبع، وعلى سبيل المثال قطاع الخضروات، والمتمثلة في المزادات الرسمية اليومية كشبرة الفروانية والوفرة المعروفة بـ«الفرضة»، وبين أسواق المصب «الجمعيات التعاونية». وبينما تتسم أسعار المزادات بمرونة يومية عالية خاضعة للعرض والطلب الفعلي، تفرض الجمعيات التعاونية ثباتاً سعرياً مفرطاً ومقاومة للنزول، بحيث لا ينعكس أي انخفاض في أسعار الجملة لمصلحو المواطن والمقيم.
فروقات الأسعار
ووثقت الدراسة حالة تحليلية دقيقة تتبعها الجهاز بتاريخ 14 أبريل 2025، حيث بلغ متوسط سعر صندوق الطماطم في مزاد الفرضة (875 فلساً)، بينما بيع الصندوق ذاته للمستهلك على أرفف إحدى الجمعيات بسعر 2.365 دينار؛ أي بهامش ربح مفرط وتضخم سعري تجاوز %170 في اليوم ذاته، مما يثبت استقطاع منافذ التجزئة التعاونية أرباحاً غير مبررة تنعكس سلباً على القوة الشرائية للمستهلكين وتحرمهم من رخص أسعار الإنتاج المحلي.
استغلال الوضع المهيمن
وقالت الدراسة: «لم تتوقف الاختلالات عند حدود فروقات الأسعار، بل رصد الجهاز سلسلة من المشكلات الهيكلية والسلوكية التي تواجه المستهلك وتصادر خياراته؛ حيث تبين أن الجمعيات تستغل وضعها المهيمن وقوتها السوقية المستقلة الناتجة عن غياب منافذ بيع بديلة مكافئة لها سكنياً وجغرافياً، فضلاً عن الدعم الحكومي المتمثل في منحها الأراضي بقيم إيجارية رمزية».
وأدى غياب الحوكمة إلى تكريس ممارسات احتكارية ضارة، أبرزها قيام بعض الجمعيات بمنح موردين كبار ومهيمنين سلطةً كاملةً لإدارة الرفوف وتوزيع مساحات العرض لسلع معينة.
هذا النفوذ الممنوح للكبار يتيح لهم إقصاء الشركات المنافسة، وتهميش المنتجات المحلية وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وبالتالي حجب الخيارات المتنوعة عن المستهلك وإجباره على أنماط استهلاكية محددة وبأسعار احتكارية.
تراجع ملحوظ
كما وجدت الدراسة عن استبيانات قياس رأي المستهلكين التي أجراها الجهاز عن تراجع ملحوظ في مستويات الرضا بشأن عدالة تسعير المنتجات الطازجة، وضبابية معلومات الأسعار وعدم إتاحتها للمقارنة، فضلاً عن بطء وتيرة الابتكار والتطوير التشغيلي مقارنةً بالأسواق المركزية الموازية التابعة للقطاع الخاص، والتي تفوقت بوضوح في هندسة الخدمات وتسهيل تجربة التسوق رقمياً.
خريطة طريق 3 سنوات للإصلاح الشامل
رسم الجهاز خريطة طريق إلزامية ومحددة زمنياً عبر مؤشرات أداء واضحة لبناء الثقة المؤسسية وضمان المساءلة، متوزعة على مسارين:
• مسار قصير المدى (من 3 إلى 12 شهراً): يتضمن الإطلاق التجريبي للمنصة الإلكترونية الموحدة، وتأسيس قاعدة بيانات مرجعية وشاملة لكل المنتجات والموردين وأسعار التداول اليومية المعتمدة لضمان الشفافية. كما يشمل إصدار أطر إرشادية عاجلة وملزمة لتنظيم المدد الزمنية للتحصيل المالي لمصلحة الموردين، وضبط نسب الخصومات والمهرجانات التسويقية، وتوثيق بيانات تداول المزادات الرسمية بدقة بالاستناد إلى الرأي التفسيري رقم 2 الصادر عن إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الوزراء.
• مسار متوسط المدى (من 1 إلى 3 سنوات): يستهدف التعميم الإلزامي والكامل للمنصة الإلكترونية كقناة رسمية وقانونية وحيدة وحصرية لكل المعاملات والتعاقدات في قطاع الجمعيات التعاونية كله.
على أن يتزامن ذلك مع وضع تنظيم محكم وصارم لآليات استئجار وتخصيص الفروع والمساحات الاستثمارية، وإعادة هيكلة وتحديد أدوار اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية لضمان الحياد التنافسي التام ومنع تضارب المصالح. وتتوج هذه الخطة بتعزيز القدرات المؤسسية لجهاز حماية المنافسة عبر الاعتماد الكامل على تحليلات البيانات الضخمة المستقاة من المنصة الرقمية، لمنع الممارسات الاحتكارية، ورصد التحالفات غير المشروعة، واستشراف الأزمات السلعية والتنبؤ بأي اختناقات في سلاسل التوريد قبل حدوثها.
رؤية تكنولوجية شاملة
طرح جهاز حماية المنافسة رؤية تكنولوجية شاملة تقضي بالتحول الرقمي الكامل وأتمتة منظومة التعاملات والتعاقدات والاعتمادات السلعية كافة عبر منصة إلكترونية موحدة تشرف عليها الجهات الرقابية والتنظيمية. ويهدف هذا الحل لـ:
1 - إلغاء التمييز البشري: توحيد القواعد الإجرائية والتعاقدية بصفة آلية تمنع مسؤولي الجمعيات من فرض شروط متباينة أو تفضيل مورد على آخر بناءً على مصالح ضيقة أو اعتبارات شخصية
2 - عدالة الرفوف: حوكمة توزيع مساحات العرض والخدمات الإعلانية بناءً على خوارزميات ومعايير موضوعية معلنة مسبقاً، تعيد للمنتج الوطني والمشروعات الصغيرة حقها العادل في العرض والظهور أمام المستهلك
3 - الإنذار الرقابي المبكر: ربط المنصة مباشرة بأنظمة جهاز حماية المنافسة، مما يتيح الرصد الآلي الفوري لأي اتفاقات أفقية بين المتنافسين لتثبيت الأسعار، أو التنسيق غير المبرر لرفعها، أو التوقف المفاجئ والمنسق عن توريد السلع لتعطيش السوق ورفع قيمتها اصطناعياً


































